الصفحة 73 من 106

قال: فأخذنا المطر ليلة، فوقف على رأسي، وعليه كساء يمنع عني المطر، فكنت أقول في نفسي: يا ليتني مت، ولم أقل له أنت الأمير.

ثم قال لي: إذا صبحت إنسانا فاصحبه كما رأيتني صحبتك«.

لعلك لا تختلف معي إذا قلت: إن مفهوم الإمارة المعنى والدلالة، والصحبة، الحقوق والواجبات، كان ذلك كله واضحًا تمامًا عند الأولين، فقد وعته قلوبهم، وهضمته نفوسهم، وظهر على سلوكهم.. ولا غرو، فقد كانوا قريبي عهد بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، أولئك القوم الذين كان يصعب على رائيهم، معرفة اميرهم، وتمييزه عن غيره، لان الإمارة في فهمهم تعني نوعًا من أنواع الخدمة الراقية، التي يتقرب بها العبد »الأمير« لله تبارك وتعالى.

هكذا هم ، يقتلون من يتأمرون عليه، ويصحبونه، بشدة تواضعهم، وعظمة حرصهم، وسمو خلقهم، حتى يتمنى معه المصحوب التابع المأمور الموت!! »ليتني مت، ولم أقل له أنت الأمير«!!

وقد يقول قائل ، بعد إن يقرأ هذا: ونحن كذلك إن كنا في صحبة احدهم، وتحت إمرته، في سفر أو رحلة، نتمنى الموت كذلك، ونقول: ليتنا متنا، ولم نقل له أنت الأمير.. لأنه قتلنا بكبريائه وتعاليه، أرهقنا بأوامره وكثرة طلباته، وأتعبنا بكثرة كلامه وتوجيهاته، وقصم ظهورنا بكثرة تحذيراته، وتهديداته، وكثيرًا ما يذكرنا بأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: »اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي « و» من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني.. « وهكذا.. دون إن يذكر لحظة واحدة.. أو حتى يتذكر إن » أمير القوم خادمهم«..

أقول له: صدقت، إن مثل هذا يحدث كثيرًا في أيامنا، ولذلك أسبابه التي منها:

-غياب القدوة والمثل الذي نتربى عليه قبل إن نصبح في موطن القدوة والمثل.

-التصدر قبل النضج الفقهي، والبلوغ الإيماني ، ظنًا أن من بلغ سنًا ، وحفظ شيئًا ، وتزيّا بزيّ .. فقد استحق !!.

البر شيء هين:

وجه طليق .. وكلام لين !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت