الصفحة 78 من 106

تقوم على أساس عجيب فريد .. إنه أساس التجاوز ، أساس التنازل والمسامحة ، أساس نسيان الذات والتنكر لها ، أساس الصفح والبعد عن الانتقام ، ورد الصاع صاعين ، كما يقولون ، إنه أساس العفو و كظم الغيض .. أنه لأساس شديد ، وامتحان رهيب ، تتمحص به النفوس ، وتتميز به الصفوف ، إنه - باختصار شديد ، وإيجاز بليغ - أساس الذين يحبهم الله - سبحانه - الذين اختارهم لكرامته ، واصطفاهم صفوة من خلقه ، يصلح بهم الشأن ، ويجمع بهم ما تفرق ، ويوحد بهم ما تشتت: يكظمون غيظهم ، ويعفون عن الناس ، ويرفعون شعار: والصلح خير . والله يحب المحسنين ..

فبأمثال هؤلاء تستقيم الحياة ، ويطيب العيش ..

فمن هو الذي يهب عرضه .. ليوم فقره ؟!

نعم . من هو الذي يهون عليه عرضه ؟!

ويعظم عنده هول يوم الوقوف بين يدي الله للسؤال والحساب ؟!

فيتصدق بعرضه على إخوانه .. بالتجاوز عن إساءاتهم ، والتغافل عن سقطاتهم ، والتنازل عن حقوقه ، ومع هذا تراه شديد التمسك بالقيام بواجباته نحوهم .. يحدوه في هذا كله .. أمل في أن يغفر الله له ، فيحوز فضله بالتجاوز عنه يوم الفقر والحاجة ، وساعة الندم والحسرة ..

والحقيقة الإيمانية تؤكد ، أن الذين يأخذون بهذه القاعدة الذهبية ، هم الذين هانت في أعينهم الدنيا ، فعلموا أنها ليست ميدان تنافس ، وأن متاعها أهون من أن يكون سبب قطيعة أو تخاصم ، أو تباغض ، أو فقدان الأحبة .. وعظمت في قلوبهم مكانة الآخرة .. فعلموا أنها ميدان التنافس ، وساحة السبق ، من فاز فقد فاز ، ومن خسر فقد خسر .. وأي خسارة تعدل خسارة الآخرة ؟!

فاغتنموا الدنيا فرصة لتسجيل المآثر الإيمانية ، والتحلي بالأخلاق النبوية الكريمة ، فجعلوها مزرعة ، غرسوها بطيب الكلام ، وحسن الفعال ، وجميل الخصال .. عفوًا وكرمًا ومروءةً ونبلًا وإحسانًا .. تقربًا منه سبحانه وتعالى وحبًا فيه ، وطمعًا في كرمه وعفوه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت