فهرس الكتاب
فهل يدرك هؤلاء الذين يطلبون الكمال في إخوانهم ، ويفترضون ( الملائكية ) في تصرفاتهم ، ويتوقعون الحكمة في كل أفعالهم ، والرشد في كل شأنهم .. يرسمون لهم صورة النقاء المطلق ، والصفاء الخالص .. عظمة هذه القاعدة ، تتجلى في المحافظة على الإخوان ، والارتقاء بهذه الرابطة .. لأنها تقرر واقعًا ، وتتعامل مع الواقع ، بوضوح وجلاء ، فالأخ بشر ، من طبيعته الخطأ ، بل من الطبيعي أن يخطئ ، ومن المتوقع مثل هذا الخطأ ، ومن المستحيل أن لا يكون الخطأ .. لصعوبة أن تجتمع في المرء كل خصال الخير ، ومجامع النبل ، فإن رضيت منه أخلاقًا ، فقد يسوءك غيرها ، وهكذا هي الحال ، لاسيما في زماننا هذا .. وجميل ما قاله الشاعر:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه
فإن تتبعت الأخطاء ، وتكدرت من الهفوات ، ووقفت كثيرًا عند السقطات ، وضخمت السيئات ، وساءتك بعض التصرفات ، وآلمتك بعض الإشارات ، وقلت: هذا ليس من أخلاق الإخوان ، وهذا لا يليق بالإخوان ، وهذا لا يقبل من غير الإخوان ، فكيف يمكن أن يقبل من الإخوان ، وهذه والله أخلاق من لا أخلاق لهم ، وهذه تؤكد عدم الصفاء ، أو الصدق في المودة واللقاء .. وهكذا حديث نفس متألمة .. يغذيه شيطان رجيم ، تفرحه القطيعة ، وتسره الخصومة ، ويعيش في أجواء اللمز والغمز ، والشحناء والكراهية ..
من كان هذا هو نهجه ، وهذه هي طريقه ، فلن يبقي على أخ أبدًا ، وصدق الشاعر الآخر حين قال:
ولست بمستبق أخًا لا تلمه على شعث ، أي الرجال المهذب
وجميل ما أوصى به الأولون - رحمهم الله - حين قالوا:"لا يزهدنك في رجل حمدت سيرته ، وارتضيت وتيرته ، وعرفت فضله ، وبطنت عقله ، عيب خفي ، تحيط به كثرة فضائله ، أو ذنب صغير تستغفر له قوة وسائله ..".