الصفحة 15 من 41

ومع ذلك فقد رأى بعض العلماء قبول شهادتها في الدماء إذا وقعت في مكان ليس به إلا النساء [1] .

وعن عطاء أنه أجاز شهادة النساء في النكاح، وعن شريح أنه أجاز شهادة النساء في الحدود.

وهذا الرأي يصلح لزماننا حيث خرجت المرأة بجانب الرجل في مناحي الحياة المختلفة، فمن الطبيعي أن تحدث أمامها الجريمة ويقوى وجداها من كثرة ما تراه من أحداث في حياتها فترى الجريمة بدقة وضبط لا فرق في ذلك بينها وبين الرجل، ولعل من منع شهادة النساء في الحدود من الفقهاء استند إلى ما كانت المرأة قديما عليه من ملازمة للبيت لا تغادره، والأمور المنزلية هي كل شغلها، ولكن المرأة الآن تغير وضعها عن ذي قبل فنراها أستاذة جامعية، ووزيرة، وسفيرة، وسيدة أعمال وعاملة في شتى المجالات، ولا يعقل بعد تقلدها لكل هذه المناصب أن نرفض شهادتها لمجرد كونها امرأة، بل نقول: إن المرأة التي تجد في نفسها قوة وضبط واستحضار لكل ما حدث أمامها لها أن تتقدم للشهادة؛ لأن العلة في عدم قبول شهادتها هو احتمال نسيانها، أما المرأة التي تضطرب ولا تستطيع أن تحكي الجريمة لا تقبل شهادتها.

والقضية في الشهادة هي قضية العدل وحماية الحق والمصلحة، وهي أمانة في عنق متوليها رجلا كان أو امرأة، فيجب علينا أن نحتاط غاية وسعنا، وأن ندفع الشبهات أيًّا كان مصدرها.

وقد قبلت الشريعة شهادة المرأة وحدها فيما لا يطلع عليها غيرها، أو فيما تطلع عليه دون الرجال غالبا، كالولادة، والبكارة، والعيوب الجنسية لدى المرأة، وفي الرضاع، ونحو ذلك.

فقد روى الإمام البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة الأمة وحدها في الرضاع، ففي صحيح البخاري: عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، قال: فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت له، قال: كيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، فنهاه عنها [2] .

(1) راجع معادن النساء- ص149 - آخر مقال: مشركة المرأة للرجل- فضيلة الشيخ محمود شلتوت.

(2) صحيح البخاري: (حديث رقم 2659) كتاب الشهادات، 13/ باب الإمام والعبيد، ورواه أبو داود: (3603 - في الأقضية- باب الشهادة في الرضاع) ، والترمذي: (11/ 5 في الرضاع- باب شهادة المرأة الواحدة في الرضاع) ، والنسائي: (3332 - في النكاح- باب الشهادة في الرضاع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت