ما جاء عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: كان نبي الله -صلى الله عليه وسلم- إذا جلس يجلس إليه نفرٌ من أصحابه، وفيهم رجلٌ له ابن صغير، يأتيه من خلف ظهره، فيقعده بين يديه ..."الحديث [88] ."
وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بشرابٍ فشربَ منه، وعن يمينه غلامٌ وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: (( أتأذن لي أن أُعطيَ هؤلاء؟ ) )فقال الغلام: لا والله يا رسول الله، لا أُوثِرُ بنصيبي منكَ أحدًا، قال: فَتَلّهُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يده [89] .
وكانوا يحدثون الأطفال عن بطولات السابقين واللاحقين والمعارك الإسلامية، وانتصارات المسلمين؛ لتعظيم الشجاعة في نفوسهم، وهي من أهم صفات الرجولة، وكان للزبير بن العوام -رضي الله عنه- طفلان أشهد أحدهما بعض المعارك، وكان الآخر يلعب بآثار الجروح القديمة في كتف أبيه كما جاءت الرواية عن عروة بن الزبير أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فقال: إني إن شددت كذبتم، فقالوا: لا نفعل، فحمل عليهم (أي على الروم) حتى شق صفوفهم فجاوزهم وما معه أحدٌ، ثم رجع مقبلًا فأخذوا (أي الروم) بلجامه (أي لجام الفرس) فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضُربها يوم بدر، قال عروة: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير، قال عروة: وكان معه عبد الله بن الزبير يومئذٍ وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس ووكّل به رجلًا" [90] ."
قال ابن حجر -رحمه الله- في شرح الحديث:"وكأن الزبير آنس من ولده عبد الله شجاعة وفروسية، فأركبه الفرس وخشي عليه أن يهجم بتلك الفرس على ما لا يطيقه، فجعل معه رجلًا ليؤمن عليه من كيد العدو إذا اشتغل هو عنه بالقتال، وروى ابن المبارك في الجهاد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير أنه كان مع أبيه يوم اليرموك، فلما انهزم المشركون حمل فجعل يجهز على جرحاهم"أي: يكمل قتل من وجده مجروحًا، وهذا مما يدل على قوة قلبه، وشجاعته من صغره [91] .
إذن فمجالسة الأطفال للكبار أدعى إلى سمو هممهم، وتفتح مواهبهم، ودخولهم مجلس الكبار تعليم لهم، وتهذيب لشخصيتهم؛ ولهذا من الخطأ ما يقوم به بعض الرجال من طرد أبنائهم، وتركوهم إما مع النساء أو في الشارع إلى سن كبير.