ونجد أيضًا عبر تاريخنا الإسلامي أنهم كانوا يتخذون لأبنائهم مؤدبين، ولم نجد أنهم اتخذوا مؤدبة من النساء، بل كانوا يشترطون شروطًا فيمن يتولى منصب معلم الصبيان ومؤدبهم؛ لأنه لا يصلُح لهذا العمل أي أحد، فهذا ابن الأخوة يقدم لنا صورة واضحة عما يجب أن يتوفر في مؤدب الصبيان من شروط، ويبين ذلك بشكل جلي يدلل على مدى اهتمام المماليك بالجيل الناشئ، وحرصهم على تربيته، وتعليمه أشد الحرص، فقال:"يجب أن يكون من أهل الصلاح والعفة والأمانة حافظًا للكتاب العزيز، حسن الخط، يدري الحساب، والأولى أن يكون متزوجًا، ولا يفسح لعازب أن يفتح مكتبًا للتعليم إلا أن يكون شيخًا كبيرًا، وقد اشتهر بالدين والخير، ومع ذلك لا يؤذن بالتعليم إلا بتزكية مرضية، وثبوت أهليته لذلك، بمعرفة الحروف، وضبطها بالشكل، ويدرجه بذلك حتى يألفه طبعًا، ثم يعرفه عقائد السنن، ثم أصول الحساب، وما يستحسن من المراسلات، ومن كان عمره سبع سنين أمره بالصلاة في جماعة؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (( علموا صبيانكم الصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر ) ) [92] ويأمرهم ببر الوالدين، والانقياد لأمرها بالسمع والطاعة، والسلام عليهما، وتقبيل أياديهما عند الدخول إليهما، ويضربهم على إساءة الأدب، والفحش من الكلام، وغير ذلك من الأفعال الخارجة عن قانون الشرع" [93] .
وقد كان السلف أيضًا يحرصون على اختيار المعلم والمدرس الصالح، ولو كلفهم ذلك السفر والانتقال على أقطار بعيدة، وأموال عديدة، يقول الماوردي:"يجب أن يجتهد في اختيار المعلم والمؤدب الاجتهاد في اختيار الوالدة والظئر -المرضعة- بل أشد منه؛ فإن الولد يأخذ من مؤدبه من الأخلاق والشمائل والآداب والعادات أكثر مما يأخذ من والده، لأن مجالسته له أكثر، ومدارسته معه أطول، والولد قد أمر حيث سلم إلى المدرس بالاقتداء به جملة، والائتمار له دفعة، وإذا كان هكذا فيجب ألا يقتصر من المعلم والمؤدب على أن يكون قارئًا للقرآن وحافظًا للغة، أو راويًا للشعر حتى يكون تقيًا، ورعًا، عفيفًا، فاضل الأخلاق، أديب النفس، نقي الجيب، عالمًا بالخلاق الملوك وآدابهم، عارفًا بجوامع أصول الدين والفقه، وافيًا بما ذكرنا أنه يحتاج أن يعلمه على الترتيب، فإن فاته شيء مما ذكرنا، فلا يفوته التقى والدين والفقه" [94] .
ولعل في الوصية التي بعث بها الخليفة هارون الرشيد إلى الكسائي مؤدب ابنه ما يلقي الضوء على طبيعة المنهج الذي يسعى الخلفاء إلى تربية أولادهم عليه، يقول:"أقرئه القرآن، وعرفه الآثار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم منها فائدة تفيده إياها من غير أن تخرق به فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته"