يتمخط، ولا يتثاءب بحضرة غيره، ولا يضع رجلًا على رجل، وليتجنب في الحديث الكذب، ولا يحلف ألبتة لا صادقًا ولا كاذبًا، فإنه قبح بالمرء، ويكون كلامه جوابًا، ويعود قلة الكلام فيستمع من أهل المجلس ما يفيده، خاصة إذا كان في المجلس من هو أكبر منه، فيستمع إلى كلامهم، ويستفيد من تجارب حياتهم، ويمنع من خبث الكلام وهجينه، ومن السب واللعن ولغو الكلام، ويعود حسن الكلام وطريقه، وجميل اللقاء وكريمه، ولا يرخص له أن يستمع لأضدادها من غيره، ويعود خدمة نفسه ومعلمه، وكل من كان أكبر منه، كذلك يؤكد على أنه إذا ما بدا صلاحه فلا يهمل، بل يستمر في إرشاده وتهذيبه، والثناء عليه حتى ترسخ الأخلاق في نفسه فلا يحيد عنها، ويحمله على حفظ الأخبار والأشعار التي فيها حث على الفضائل ومكارم الأخلاق، لتذكره بما هو عليه من الطباع، وهكذا يستمر معه، ويهنأ بنعمة الله التي أنعم بها عليه في الدنيا، ويستعد لدار البقاء، ويقول: وإذ عرفت هذه الطرق المحمودة في تأديب الأحداث فقد عرفت أضدادها، أعني من نشأ على خلاف هذا المذهب والتأديب لم يرجى فلاحه" [99] ."
وحرص السلف على رعاية الناشئ الموهوب، ومراعاة ما يميل إليه ويهواه من العلوم والأعمال: يقول ابن القيم:"ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي، وما هو مستعد له من الأعمال، ومهيأ له منها فيعلم أنه مخلوق له، فلا يحمله على غيره ما كان مأذونًا فيه شرعًا، فإنه إن حمل على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له، فإذا رآه حسن الفهم والإدراك، جيد الحفظ مراعيًا، فهذه من علامات قبوله وتهيؤه للعلم لينقشه في لوح قلبه ما دام خاليًا، فإنه يتمكن فيه ويستقر ويزكو معه، وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه وهو مستعد للفروسية (الحياة العسكرية) وأسبابها من الركوب والرمي واللعب بالرمح وإنه لإنفاذ له في العلم ولم يخلق له، مكنه من أسباب الفروسية والتمرين عليها فإنه أنفع لها وللمسلمين وإن رآه بخلاف ذلك، وأنه لم يخلق لذلك، ورأى عينه مفتحة إلى صنعة من الصنائع مستعدًا لها قابلًا لها وهي صناعة مباحة نافعة للناس فليمكنه منها هذا كله بعد تعليمه له ما يحتاج إليه في دينه" [100] .
ولا بد أن يدرك المربي أن مرحلة الصغر هي مرحلة الحفظ والنبوغ: ولهذا نجد أن الشافعي -رحمه الله- يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين، ويقول سهل بن عبد الله التستري: مضيت إلى الكتاب فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين.