وقد اختلفت مناهج المفسرين في عرض هذه الأقوال، فمنهم من اكتفى بعرضها أو عرض بعضها، ولم يرجِّح، ومنهم من رجَّح أحدها وساق ما يؤيِّد ترجيحه، ومنهم من اختار شمول الآية لكل هذه المعاني.
ويظهر لي ـ والله أعلم ـ أن الآية وإن كانت إلى التغيير الحسي أقرب بدلالة الحديث الآتي إلا أنها تشمل كلَّ ما ذُكِر من معانٍ؛ حيث إن هذه المعاني لا تعارض بينها، ولا يبعد أن يكون كل واحد منها مقصودًا، فالشيطان تسلَّط على أوليائه وأتباعه وأمرهم بكل ما ذكره المفسِّرون، والواقع يشهد بذلك، فالتغيير يشمل التغيير الحسي والتغيير المعنوي، وهذا ما ذهب إليه جمع من المفسِّرين المتقدمين والمتأخرين [1] .
والتغيير الحسي يدخل فيه بعض صور التجميل الجراحي وغير الجراحي التي تشتمل على تغيير خلق الله، والآية تدل على تحريم هذا التغيير؛ (( لأنه مسوق في معرض الذم واتباع تشريع الشيطان ) ) [2] .
ب ـ عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: لَعَنَ اللهُ الواشِمَات والمُسْتَوْشِمَات والنَّامِصَات والمُتَنَمِّصَات والمُتَفَلِّجَات للحُسْن المُغَيِّرات خَلْق الله. قال: فَبَلَغَ ذلك امرأةً من بني أَسَدٍ يُقال لها أمُّ يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأَتَتْه، فقالت: ما حديثٌ بَلَغَني عنك أنك لَعَنْتَ الواشِمَات والمُسْتَوْشِمَات والنَّامِصَات والمُتَنَمِّصَات والمُتَفَلِّجَات للحُسْن المُغَيِّرات خَلْق الله؟ فقال عبد الله: وما لي لا أَلْعَن من لَعَنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المُصْحَف فما وجدته، فقال: لئن كنت قَرَاتِيْه لقد وجدتيه. قال الله عز وجل: (وما آتكم الرسول فخذوه وما نهاكم
(1) انظر على سبيل المثال: تفسير الطبري: 5/ 284 حيث اختار تفسير تغيير خلق الله بتغيير دين الله، ثم قال: (( وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه ووشم ما نُهي عن وشمه ووشره وغير ذلك من المعاصي، ودخل فيه ترك كل ما أمر الله به؛ لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله، وينهى عن جميع طاعته ) )، وانظر: البحر المحيط: 3/ 370، وفتح القدير: 1/ 779، وتفسير المراغي: 5/ 160، وتفسير السعدي: ص296، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا: 5/ 428.
(2) أضواء البيان: 1/ 309.