إذ تفيد هذه الرواية أن (( التحريم المذكور إنما هو فيما إذا كان لقصد التحسين لا لداء وعلة، فإنه ليس بمحرم ) ) [1] .
ضوابط تغيير خلق الله المحرم
جاء النهي العام عن تغيير خلق الله كما في آية النساء، إلاَّ أن المتأمِّل في بعض أحكام الشريعة ونصوصها يلحظ أن هذا العموم قد دخله التخصيص، حيث أشار بعض الفقهاء وشرَّاح الحديث إلى أن هذا النهي ليس على إطلاقه لما يلي:
أـ ذكر بعض المفسرين أن تغيير الخلق يُستثنى منه بعض الأحكام كوَسْم الغنم في آذانها وإشعار الهدي ووَسْم الإبل والدواب بالنار في أعناقها وأفخاذها [2] .
ب ـ ذكر بعض الفقهاء أن هناك تصرفاتٍ جائزةً مع أنها من تغيير خلق الله في الظاهر، ومن ذلك خصال الفطرة كالختان وقص الأظفار، وقص الشعر، وخصاء مباح الأكل من الحيوان وغير ذلك [3] ، وهكذا العقوبات الشرعية كالقصاص والحدود.
ج ـ قيد (للحُسْن) في الحديث السابق يدل على أن النهي خاص بما إذا فُعِل طلبًا لزيادة الحُسْن في خِلْقةٍ معهودة، فلو فعل لعلاج أو عيب جاز كما سبق، وهذا يدل على أنه ليس كل تغيير محرمًا، فقوله (للحسن) (( اللام فيه للتعليل احترازًا عما لو كان للمعالجة ومثلها، وهو يتعلق بالأخير(التفليج) ، ويُحتمل أن يكون متنازعًا فيه بين الأفعال المذكورة كلِّها )) [4] .
(1) نيل الأوطار: 6/ 343.
(2) أحكام القرآن لابن العربي: 1/ 501. والوَسْم: التأثير بالكي. النهاية في غريب الحديث: 5/ 185، وإِشْعار الهدي: أن يجرح الحيوان المُهدى في صفحة سنامه حتى يسيل الدم، وأصل الإشعار العلامة. تحرير ألفاظ التنبيه: ص173.
(3) الفواكه الدواني:2/ 314،وانظر: تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور: 5/ 205، وتفسير المنار: 5/ 428.
(4) عمدة القاري للعيني:22/ 63،والروايات السابقة تدل على أن قوله (للحُسْن) يعود إلى كل ما ذُكِر من أفعال (الوشم والنمص والتفليج) ؛ إذ إن فعلها للتداوي جائز، وتغيير الخلق المحرم ما كان لطلب الحسن فقط.