وَإِنّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نّسْقِيكُمْ مّمّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشّارِبِينَ * وَمِن ثَمَرَاتِ النّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
يقول تعالى: {وإن لكم} أيها الناس {في الأنعام} وهي الإبل والبقر والغنم {لعبرة} أي لاَية ودلالة على حكمة خالقها وقدرته ورحمته ولطفه {نسقيكم مما في بطونه} أفردها ههنا عودًا على معنى النعم، أو الضمير عائدعلى الحيوان، فإن الأنعام حيوانات أي نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان، وفي الاَية الأخرى مما في بطونها، ويجوز هذا وهذا، كما في قوله تعالى: {كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره} وفي قوله تعالى: {وإني مرسلة إليهم بهديه فناظرة بم يرجع المرسلون * فلما جاء سليمان} أي المال.
وقوله: {من بين فرث ودم لبنًا خالصًا} أي يتخلص اللبن بياضه وطعمه وحلاوته، ما بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته، فيصرف منه دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع، وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الاَخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ولا يتغير به. وقوله: {لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين} أي لا يغص به أحد، ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابًا للناس سائغًا ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه، ولهذا امتن به عليهم فقال: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرًا} دل على إباحته شرعا قبل تحريمه، ودل على التسوية بين المسكر المتخذ من النخل والمتخذ من العنب، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك.