فهرس الكتاب
وقد وصفهم الله -جل وعلا- بذلك في آيات كثيرة كما قال -تعالى-: كِرَامًا كَاتِبِينَ وقال -جل وعلا-: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ وقال -جل وعلا-: بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ .
فهم كرام بتكريم الله -جل وعلا- لهم ، وقوله: بررة أي: المطيعين لله -جل وعلا-، لا يعصونه -جل وعلا-، بل يبادرون بامتثال أوامره ، كما قال -تعالى-: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وقال: لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ .
ثم قال -جل وعلا-: قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ أي: لعن الإنسان ما أشد كفره ، والمراد به الإنسان الكافر ، فكلمة قتل معناها لعن ، كما قال -تعالى-: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ أي: لعن ، وقال -جل وعلا-: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ يعني: لعنوا، وقوله -جل وعلا-: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ يعني: لعنوا.
وهذه الآية، وهي أنهم كانوا شديدي الكفر، بينها الله -جل وعلا- في سورة الحج في قوله -تعالى-: وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ وكلمة كفور هذه صيغة مبالغة تقتضي شدة الكفر، وهي مطابقة لهذه الآية ؛ لأنه قال: مَا أَكْفَرَهُ يعني: ما أشد كفره ، والمراد به الإنسان الكافر .
ثم قال -جل وعلا-: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ هذا استفهام تقريري؛ يقرر الله -جل وعلا- فيه الكفار ، وقد أجاب الله -جل وعلا- عنه: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ أي: خلقه الله -جل وعلا- من نطفة، والمراد بالنطفة: هو ماء الرجل.