الصفحة 132 من 355

وقوله -جل وعلا-: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ كلمة"عسعس"، هذه من ألفاظ الأضداد في لغة العرب؛ فتاتي بمعنى أقبل، وتأتي بمعنى أدبر، وبهما فسرت هذه الآية، ودل القرآن على هذين التفسيرين، فبعض العلماء قال: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ معناه: أقبل؛ كما قال الله -جل وعلا-: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى وبعض العلماء يقول: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ إذا أدبر؛ كما قال الله -جل وعلا- في سورة المدثر: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ثم قال -جل وعلا-: وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ المراد بذلك: الصبح إذا أسفر وظهر؛ لأنه يخرج معه نسيم في أول الصباح كما يخرج النسيم من الجوف، وهذا معنى قوله -جل وعلا-: وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ومعنى قوله: وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى .

ثم قال -جل وعلا-: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ أي: أن هذا القرآن قول رسول كريم، والمراد: بلَّغه رسول كريم، وهو جبريل -عليه السلام-؛ لأن الإضافة هنا إضافة تبليغ، وليست إضافة إنشاء؛ لأن جبريل مبلغ عن الله -جل وعلا-، كما قال -تعالى-: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ولا يصح أن يستدل بهذه الآية على أن القرآن كلام جبريل كما يصنعه أهل البدع، بل هذه الآية بدلالة الآيات الأخرى تدل على أن هذا القرآن من عند الله، وأن جبريل وظيفته التبليغ.

فإن الله -جل وعلا- أخبرنا أن هذا القرآن كلامه؛ في قوله -جل وعلا-: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ثم إن الله -جل وعلا- أضاف في القرآن -في هذه السورة- إلى الرسول الملكي، وهو جبريل، وأضافه في آية الحاقة إلى الرسول البشري، وهو نبينا -صلى الله عليه وسلم-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت