فهرس الكتاب
وقال -جل وعلا-: كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا فالملائكة يكتبون، جعلهم الله -جل وعلا- حفظة على العبد، يسجلون جميع ما يصدر منه من خير أو شر، كما قال الله -جل وعلا-: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي: يحفظونه بأمر الله، وقد أجمع أهل العلم على أن هؤلاء الملائكة يكتبون الخير والشر، وأما الشيء الذي ليس بخير ولا شر فقد اختلف العلماء؛ هل يكتب أو لا يكتب؟ وظاهر قول الله -جل وعلا-: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ يقتضي كتابة جميع ما يصدر عن الإنسان، من خير أو شر أو من مباح.
وهذه الآية لا تدل على أن الله -جل وعلا- لا يعلم ما يصنع العباد، بل الله -جل وعلا- يعلم ما يفعل العباد، وما تقوم به الملائكة، كما قال -تعالى-: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ولكن الله -جل وعلا- جعل هؤلاء الكتبة يكتبون ما يصنعه العباد؛ ليواجههم به -جل وعلا- يوم القيامة في صحائف أعمالهم، حتى إذا ووجه العصاة به، قالوا: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا .
وهذا من تمام عدل الله -جل وعلا- وقد بين الله -جل وعلا- ذلك وفصله غاية التفصيل والإيضاح؛ فقال -جل وعلا-: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ .