فهرس الكتاب
فالله -جل وعلا- يعلم ما توسوس به نفس العبد، وهو -جل وعلا- أقرب إليه من الوريد الذي بين عاتقه وعنقه، ومع ذلك -جل وعلا- قال: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ -يعني: الملكين- إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ يعني: يتلقى الملكان جميع ما يصدر عن بني آدم، وهما مقاعدان مجالسان ملازمان له، لا ينفصلان عنه مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ فبين -جل وعلا- أنه يعلم ما توسوس به نفس العبد، وأي شيء أخفى من وسوسة نفس العبد، ومع ذلك أخبر -جل وعلا- أنه جعل هؤلاء الملائكة الذين يكتبون على العبد، وما ذاك إلا لكمال عدل الله -جل وعلا-، وإقامة الحجة على الخلق، وقطع المعاذير.
ثم قال -جل وعلا-: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ أي: إن الأبرار لفي خير وسعة ونعمة كثيرة، وهذه النعم التي لأهل الجنة كثيرة جدا؛ بينها الله -جل وعلا- في ذكر أوصاف أهل الجنة، وفي ذكر وصف الجنة، وأعلى ذلك النعيم: النظر إلى وجه الله -جل وعلا-.
ثم قال -جل وعلا-: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ أي: أن الكفار الذين هتكوا سترة الدين، هؤلاء يوم القيامة في جحيم، وهي النار.
ثم قال -جل وعلا-: يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ أي: يوم القيامة وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ أي: أنهم ماكثون فيها أبدا، كما قال الله -جل وعلا-: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ .
وقد تقدم بيان ذلك عند قوله -تعالى-: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا .