فهرس الكتاب
أكثر الناس برغم ما ذكر من التشديد عليهم بعدم الشك في شيء منه والعمل بمقتضاه: {لا يؤمنون} بهذا حق الإيمان فلا يتخذون القرآن دستورًا لهم في الحياة ويأبون الانصياع لأحكامه ويستبدلون به الأحكام الوضعية وقد نفى الله الإيمان عن أمثال هؤلاء في سورة النساء بقوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} .
بعد أن أشار الله إلى الفارق العظيم بين من يؤمن بالقرآن على بينة ويقين وبين من يكفر به من الأحزاب، وألزم العقلاء بعدم التردد في صحة كل ما جاء به من أحكام ووعد ووعيد وقال: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أخذ يفصل حال كل فريق منهم في الدنيا وما يكونون عليه في الآخرة مبتدأ بذكر الأكثرية من الناس غير المؤمنة فقال: {ومن أظلم} أي ليس في الدنيا من هو أشد ظلمًا لنفسه ولغيره: {ممن افترى على الله كذبًا} بأن نسب إليه تعالى شيئًا لم يصدر منه من وحي وأحكام أو زعم أن له شركاء يتقرب بهم إليه: {أولئك} أي من يقولون بشيء من هذا: {يعرضون على ربهم} يوم القيامة لمحاسبتهم على ما قالوا: {ويقول الأشهاد} جمع شاهد أي الذين يحضرهم الله للشهادة عليهم من الملائكة الكرام الكاتبين وغيرهم ممن أشار إليهم سبحانه وتعالى بقوله في سورة «ق» : {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد} وقوله في سورة النساء: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا} وأدى كل واحد ما يحمل من شهادة مشيرين إليهم قائلين: {هؤلاء الذين كذبوا على ربهم} بما نسبوه إليه تعالى من أمور لا يقرهم عليها وتتنافى مع عدله وكبريائه وروجوها بين الناس فضلوا وأضلوا فيقول الله تبارك وتعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} أي سبق أن قضيت في نظام مشيئتي بحلول سخطي ونقمتي وعذابي على الظالمين وقد عرفهم الله بقوله: {الذين يصدون عن سبيل الله} أي يمنعون الناس ويصرفونهم عن تدبر آيات الله التي تؤدي بهم إلى معرفته والإيمان الكامل بوحدانيته وإخلاص العبادة له: {ويبغونها عوجًا} أي يريدون أن تكون آيات الله عوجًا قابلة للتأويل بحيث تكون خاضعة لأهوائهم وتصوراتهم التي تستسيغ الشرك واستباحة بعض المحرمات عن طريق ما أسموه الحيل الشرعية. {وهم بالآخرة هم كافرون} أي حالة كونهم لا يؤمنون بالبعث ولا بالجزاء إذ لو آمنوا بذلك لما صدوا عن سبيل الله ولما تلاعبوا بآيات الله وأولوها وأخضعوها