والتمهيد للظلم بما أحدثوا في التشريع من أحكام لا تتفق مع ما يرمي إليه الكتاب {وإن الذين اختلفوا في الكتاب} وأصروا في تكييف القرآن طبق فهمهم حتى جعلوا من الكتاب الذي أنزل للتوحيد وجمع الكلمة سببًا للتخالف والتخاذل وحرفوا دينهم وكانوا شيعًا وأحزابًا متحاربين ينتصر كل فريق منهم لدعوة إمامه ويعادي الآخرين تشيعًا وتقليدًا دون أن يردوا ذلك إلى كتاب الله وسنة نبيه {لفي شقاق بعيد} في عداوة مستحكمة لا تقوم على أساس صحيح، لأن العداوة التي تقوم على سبب معقول قد يرجى زوالها بزوال أسبابها، أما العداوة التي تنشأ عن تمسك كل فريق برأيه في الكتاب فإنها عداوة قائمة على سبب غير معقول فلا يرجى لها الزوال لأن كتاب الله حق واضح والحق أحق أن يتبع ويمكن الرجوع إليه دون حاجة إلى استمرار النزاع والخلاف؛ والله سبحانه وتعالى يقول: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} وبذلك تزول أسباب الاختلاف الذي هو مدعاة التفرق وهو سبيل الهلاك كما قال تعالى {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} فاستمرار الاختلاف في الكتاب يؤدي إلى شقاق بعيد.
وبعد أن بين الله للمؤمنين الحلال والحرام وحذرهم مما حذرهم منه من كتمان ما أنزل الله أخذ يبين لهم حقيقة عظمى يجب أن يفهموها عن هذا الدين الحنيف، و هي أنه لا عبرة بالمظاهر وإنما العبرة بما يصدر عن القلوب، حيث قال {ليس البر} وقرئ {البرُّ} و {البار} في نظر الإسلام {أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب} بأن تتجهوا إلى جهة معينة من الجهات التي تؤمرون بها فحسب {ولكن} بالتشديد وقرئ بالسكون {البر} لا يحصل إلا لمن يكون موصوفًا بالصفات الآتية:
أولًا {من آمن} بما يأتي:
1 - {بالله} أي آمن بوجود الله، ووحدانيته إيمانًا تطمئن به القلوب وتحيا به النفوس وتبتعد به الهواجس والأوهام حتى يكون الله ورسوله أحب إلى المؤمن من كل شيء.