{إن الله غفور} لمن خارت قواه وأشرف على الموت من الجوع فلم يعرف القدر الذي يمسك به الرمق وبقي من الهلاك فأكل حتى شبع {رحيم} بعباده حيث حرم عليهم الضار ثم أباحه لهم في حال الضرورة لينفي الحرج والعسر عنهم.
وبعد أن بين الله للمؤمنين الحلال والحرام من المأكولات أخذ يبين لهم ما حرم عليهم من الأقوال والأفعال، فحذرهم أولًا من تغطية الحقائق وكتمان ما أنزل الله جريًا وراء المادة أو حرصًا على مصلحة ذاتية حيث قال {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب} أي يخفون شيئًا مما أنزل الله في كتابه فلا يبلغونه للناس أو يخفون معناه عنهم بتأويله أو تحريفه أو وضع غيره موضعه برأيهم مع علمهم بالحقيقة {ويشترون به} أي لينالوا مقابل ذلك الكتمان {ثمنًا قليلا} أي عوضًا ضئيلًا وعرضًا زائلًا من متاع الدنيا الفاني كالرشوة والجعل على الفتاوى الباطلة مما لا قيمة له في جانب ما يفقد آخذه من سعادة الدارين وراحة الضمير في الدنيا {أولئك} الكاتمون لكتاب الله والمتجرون بدينه الحق {ما يأكلون في بطونهم إلا النار} فلا يعود عليهم ما أدخلوه في بطونهم ثمنًا لذلك إلا بدخولهم النار {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} أي أنه سيعرض عنهم في ذلك اليوم غضبًا عليهم {ولا يزكيهم} لأنهم لم يراقبوا الله في أعمالهم {ولهم عذاب أليم} يتكافأ مع ما أشاعوه من باطل، وما نشروه من سوء بسبب كتمانهم هذا أو اتجارهم بدين الله {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} لا غرو إذا كان عذابهم أليمًا فإنهم الذين أحلوا الضلالة محل الهدى فكانوا سببًا لإضلال الناس وعليهم تقع تبعة ضلالهم {والعذاب بالمغفرة} أولئك الذين ارتضوا لأنفسهم العذاب بدلًا من المغفرة لأنهم كانوا على علم بأن عملهم هذا سيؤدي إلى العذاب فآثروه على طلب الغفران عن طريق الجهر بالحق {فما أصبرهم على النار} أي فما الذي حملهم ودعاهم على الإقدام على عمل يعرضون به نفوسهم دون مبالاة لتحمل عذاب النار يوم القيامة وكان بوسعهم أن يقلعوا عنه فيتقوا بذلك نار جهنم {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق} أي وذلك الحكم الذي صدر بشأنهم بسبب أن الله نزل الكتاب لإقامة العدل بين الناس فكانوا بعملهم هذا أداة لمحاربته