ولقد تكلم الله من أول هذه السورة إلى ها هنا في دلائل التوحيد والنبوة وأسهب في الرد على اليهود والنصارى والمشركين، وخاطب الناس في الآية التي قبل هذه وأمتن عليهم بالإباحة ما في الأرض جميعًا لهم إلا ما حرم بنص أو كان ضارًا في نفسه مضرًّا لغيره، وحذرهم من متابعة خطى الشيطان ثم بدأ يوجه خطابه للمؤمنين خاصة مبينًا لهم الحلال والحرام فقال: {يا أيها الذين آمنوا} بالله ورسالة نبيه صلى الله عليه وسلم {كلوا من طيبات ما رزقناكم} أي تمتعوا بكل ما أنعم الله به عليكم في هذه الحياة الدنيا، ولا تحرموا على أنفسكم شيئًا لم يحرمه الله عليكم من سائر الحيوانات والطيور إلا ما نص على تحريمه في القرآن أو أحاديث الرسول إذ يقول «أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير حرام» {واشكروا لله} الذي أحل لكم الكثير مما كان محرمًا على غيركم من الأمم السابقة {إن كنتم إياه تعبدون} أي تخصونه بالعبادة وتؤمنون بانفراده بالسلطة والتدبير، ولا تعترفون بأحقية غيره في التحليل والتحريم، وإلا كنتم مشركين كافرين بأنعمه كالذين من قبلكم جهلوا معنى العبادة فاتخذوا لهم رؤساء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله كالبحيرة والسائبة وكالصوم عن كل ذي روح {إنما حرم} بالبناء للفاعل وقرئ بالبناء للمفعول.
{عليكم} أي أنه سبحانه لم يحرم عليكم من الحيوان غير {الميتة} لما يخشى من ضررها لأنها إما أن تكون قد ماتت لمرض سابق أو بعلة عارضة وكلاهما لا يؤمن ضرره {والدم} المسفوح لأنه قذر وضار كالميتة {ولحم الخنزير} لأنه ضار لا سيما في البلاد الحارة {وما أهل} أي سمي عليه عند الذبح {لغير الله به} وهو ما ذبح لأجل الأصنام والجن وغيرها لأنه يعد قربة لهم ودليلًا على اعتقاد النفع منهم، وهذا ينافي التوحيد وهو من أعمال الوثنية، وقد قال صلى الله عليه وسلم «لعن الله من ذبح لغير الله» {فمن} بكسر النون وقرئ بضمها {اضطر} إلى الأكل مما ذكر بأن لم يجد ما يسد رمقه سواه {غير باغ} أي غير طالب له أو راغب فيه لذاته ولا قاصد به العصيان {ولا عاد} ولم يتجاوز قدر الضرورة {فلا إثم عليه} في الأكل لأن التعرض للموت بالجوع أكثر تحققًا من الموت بأكل الميتة، ولأن الأكل في حال الاضطرار لا يدل على تعمد المعصية وإجازة عمل الوثنية