فهرس الكتاب
عالم المادة فهذا أمر لا مراء فيه إذن كيف كان ومن أين نشأ هذا ما فصله الله بقوله: {إنا خلقنا الإنسان} أي أن أول ما حصل هو أنا أمرنا بخلقه نفسًا في العالم غير المنظور واقتضت سنتنا أن يتكون جسمه في أول الأمر: {من نطفة} وهي حيوان منوي صغير مهين يخرج من الرجل والمرأة وباتحادهما يتكون الجنين أما أصل هذه النطفة فقد قال تعالى إنها: {أمشاج} أي مخلوقة من عناصر مختلفة آتية من النبات والحيوان والماء وكل ما يتعاطاه الإنسان من غذاء وشراب: {نبتليه} أي بقصد ابتلائه واختباره لا للعبث واللهو سدى من غير غاية والدليل على هذا أنا منحناه بعد خلقه من الحواس الظاهرة ما يجعله يدرك الحسن والقبيح: {فجعلناه سميعًا} لما يلقى إليه من كلام الله: {بصيرًا} لما في الكون من سائر المخلوقات الدالة على وجود الله وعظيم قدرته ولولا ذلك لكان سمعه وبصره محدودًا كسائر الحيوانات ولم نكتف بهذا بل: {إنا هديناه} أرشدناه: {السبيل} أي الطريق بمعنى منحناه ملكة العقل التي تمكنه من فهم الحقائق والتمييز بين النافع والضار وطريقي الخير والشر فهو والحالة هذه مالك لكامل الحرية التي تجعله بالخيار التام: {إما شاكرًا} ليس المراد بالشكر أن يردد الإنسان بلسانه عددًا من الحمد لله والشكر له بل المراد أن يشعر في نفسه بنعم الله عليه فيقدرها قدرها في السر والعلن وذلك بالإيمان به واستعمال حواسه ومواهبه فيما خلقت له من طاعة الله وابتغاء رضوانه: {وإما كفورًا} أي وإما أنه لا يشعر في نفسه بكل تلك النعم ولا يعزوها إلى مانحها فلا يؤمن بوحدانيته أو يتخذ معه شركاء لا يسلم العقل بأن لهم أي تأثير في خلقه وتكوينه وما هو فيه من نعم ولتأكيد معنى الحرية ونعمة الله على الإنسان بكامل الخيار وأنه إنما يؤدي في هذه الحياة دون الاختيار أخبره جل جلاله بمصير الفريقين يوم القيامة ليكون على علم تام بذلك فيحكم عقله ويستعمل جوارحه في اختيار ما يراه من السبل التي أوضح له تعالى معالمها فقال: {إنا أعتدنا} الاعتاد وهو إعداد الشيء حتى يكون عتيدًا حاضرًا متى احتيج إليه: {للكافرين} بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ثلاثة أنواع من أدوات التعذيب: {سلاسل} وقرئ «سلاسلًا» بالتنوين ما تشد به الأرجل من الحديد يسحبون بها في جهنم: {وأغلالًا} توضع في أعناقهم وأيديهم: {وسعيرًا} النار المشتعلة ذات اللهب يلقون فيها وتكوى بها أجسامهم: {إن الأبرار} جمع بار وقد فسر الله البر في سورة البقرة ووصف الأبرار بمن تتوفر فيهم ست صفات حيث قال: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من