فهرس الكتاب
الهلاك بعمل يده وأقسم على ذلك بنظام الكون العجيب الذي جعل لكل شيء في الكائنات عملًا يؤديه وسننًا لا تختلف فقال: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} أي وشروقها على الكون بضيائها: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا} أي ما اقتضته سنته تعالى من أنه إذا غابت الشمس رئي الهلال إثرها: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا} أي أظهرها وكشفها في الأماكن التي لا تدخلها الشمس: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} أي يزيل بظلامه ضياءها: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} أي وطريقة بنائها محكمة متماسكة: {وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} أي وأعجوبة بسطها بينما هي في حقيقتها كروية: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} أي جعلها طاهرة نقية لا عيب فيها: {فَأَلْهَمَهَا} بعد ذلك بملكة العقل: {فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} أي التمييز بين الحسن والقبيح وما هو معيب ينبغي ستره وما لا عيب فيه فلا بأس من إظهاره كما حصل لآدم وزوجه عندما أكلا من الشجرة ولعلها شجرة السلالة البشرية فلما ذاقاها باتصالهما الجنسي استقبحا منظرهما وهما على تلك الحالة فبدا لهما أن من واجبهما ستر سوءتيهما اللتين عصيا الله بهما: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} .
{قَدْ أَفْلَحَ} هذا جواب القسم: {مَن زَكَّاهَا} زكى النفس طهرها وأصلحها باتباع أوامر الله والانتهاء عما نهى عنه: {وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} أي أخفى فضائل النفس في بحر من أعمال السوء وقد مثل الله لذلك بثمود إذ قال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} رسولها بسبب: {بِطَغْوَاهَا} أي الطغيان الذي كانت تضمره في نفسها ولم تجهر به: {إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا} أي إلا عندما تقدم أشقى القبيلة معلنًا التكذيب: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ} صالح احذروا: {نَاقَةَ اللَّهِ} التي جعلها آية يختبر بها مبلغ إيمانكم: {وَسُقْيَاهَا} أي شربها الذي اختصها الله به وهو يوم واحد: {ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم} .
{فَكَذَّبُوهُ} وربما قالوا: في أنفسهم ما علاقة الناقة وشربها بطاعة الله؟! أو أنه عز عليهم أن تستأثر الناقة بشرب يوم واحد من دونهم وقاموا إلى الناقة: {فَعَقَرُوهَا} سواء بالفعل أو بإقرار الاعتداء عليها فأثموا جميعًا: {فَدَمْدَمَ} أي أطبق: {عَلَيْهِمْ رَبُّهُم} العذاب والدمار: {بِذَنبِهِمْ} أي بسبب العمل الذي أقدموا عليه سواء بعقر الناقة أو الموافقة عليه: {فَسَوَّاهَا} بالأرض أي دمر مساكنها على ساكنيها: {وَلا يَخَافُ} وقرئ: {فلا يخاف} رسول الله: {عُقْبَاهَا} أي عاقبة ما أصابهم لأنه قد بلغهم أمر ربهم وقد نالوا جزاء ما اقترفت أيديهم.