الصفحة 355 من 1760

يستحل ما كان محرمًا عليه وعليهم من الطعام من قبل كلحم الإبل مثلًا، فأنزل الله قوله: {كل الطعام كان حلًا} من عهد إبراهيم {لبني إسرائيل} أي لشعبه لأن الرسول يعتبر كأب للأمة {إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} أي امتنع عن أكله وحرمه على نفسه قهرًا لها وطلبًا لرضاء ربه، فقد روى عن ابن عباس: «أن يعقوب مرض مرضًا شديد فنذر لله لئن عافاه الله ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها» . {من قبل أن تنزل التوراة} أي أنه قبل نزول التوراة كان يحل لبني إسرائيل كل طعام فحرم إسرائيل على نفسه في عهده بعض أشياء وتبعه في ذلك بنوه: أي شعبه، ثم نزلت التوراة بتحريم كثير من الطيبات عليهم بسبب ما اقترفوه من الذنوب كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا} - أي قوم موسى - {حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} . {قل} أيها الرسول ردًا على مزاعمهم هذه إن إبراهيم ومن بعده من الأنبياء كانوا يحرمون ما حللت: إن هذه الدعوى منكم تحتاج إلى إثبات بنص يؤيدها، ولذلك فإني أتحداكم بإظهاره {فأتوا بالتوراة فاتلوها} وأروني منها ما يؤيد مزاعمكم، {إن كنتم صادقين} في دعواكم والذي أعلمه أنها تكذبكم، وأنكم ستجدون فيها أن التحريم إنما انصب عليكم لأنكم شعب عنيد لا يسمع أوامر الله وأن التحريم لم يكن إلا عقوبة لكم بسبب معاصيكم. {فمن} يتبين أنه {افترى} في دعواه {على الله الكذب} بما نسب إلى الله من شيء لم يصدر منه فيكون {من بعد ذلك} أي بعد ما يظهر من خلو التوراة من دعواهم الباطلة أفرادًا وجماعات {فأولئك هم الظالمون} لأنفسهم بعد معرفتهم للحق وإصرارهم على الباطل، إذ أنهم لم يأتوا بذلك النص الذي زعموه بعد ظهور عجزهم. {قل} يا أيها الرسول {صدق الله} فيما أنبأني به من أن كل الطعام كان حلًا لبني إسرائيل وقامت الحجة عليكم بذلك وثبتت رسالتي عن ربي إذ لولا وحيه لما عرفت صدقكم من كذبكم فيما تحدثون به عن أنبيائكم، إذًا {فاتبعوا} ما أدعوكم إليه من شريعة تطابق {ملة إبراهيم} في أصولها وفروعها حيث ثبت لكم أن ما حكمت بحله هو ما كان حلًا في عهد إبراهيم، وأن ما أدعوكم إليه من التوحيد وعدم الشرك بالله إنما هو بعينه ما كان عليه إبراهيم، فقد كان {حنيفا} انفرد بمخالفته لما كان عليه قومه من الضلال باحثًا عن الحق حتى توصل إلى معرفة ربه وأسلم وجهه إليه وحده {وما كان}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت