الصفحة 356 من 1760

بفطرته ومنذ نشأته: {من المشركين} الذين يعبدون غيره أو يخافون سواه بل هو ذلك الرجل الذي لم يخش الناس ولم يعبأ بما أعدوه له من النيران في سبيل رضاء ربه فكانت عليه بردًا وسلامًا.

بعد أن رد الله على ما كان يتحدث به جماعة من اليهود فيما يتعلق بتحليل بعض الأطعمة وكان آخرون منهم يقولون إن جميع الأنبياء من نسل إبراهيم وسائر الأنبياء كانوا يعظمون بيت المقدس ويصلون إليه، فلو كان محمد على شريعتهم لعظم ما عظموا ولما تحول عن قبلتهم إلى الكعبة فرد الله شبهتهم هذه بقوله: {إن أول بيت وضع} أوجده الله على وجه البسيطة وشرفه بالانتساب إليه وجعله {للناس} مشتركًا بينهم جميعًا لا يملك لأحد ولا يختص به فريق دون آخر {للذي ببكة} أي هو الذي وضع بمكة لغايتين اثنتين: إحداهما أن يكون {مباركا} تفيض على قاصديه البركة من الله في جميع الأوقات، وتتضاعف بسببه للعابدين حوله الحسنات، وتجبى من أجله إلى جيرانه مختلف الثمرات والخيرات. {و} ثانيتهما أن يكون {هدى للعالمين} يستطيعون بواسطته تركيز اتجاههم إلى جهة معينة يتوجهون إليها وبيت خاص يهرعون إليه في النائبات ويحطون بساحته ما لهم من حاجات ويطمئنون هنالك بحسن القبول وعظيم الرضوان، ولولا ذلك لظلوا حيارى إلى أين يتوجهون وبأي ساحة ينزلون، فمن العسير على المخلوق المادي أن يتوجه إلى ما كان خارجًا عن دائرة المحسوسات، ومن الصعب على النفوس أن تطمئن تمامًا إلى غير الماديات، ومن أجل هذا أوجد الله لهم بيتًا نسبه إليه وبوأ لإبراهيم مكانه فرفع قواعده بالبناء ليتوجه الناس إليه في صلواتهم ويقصدونه في مهماتهم كما هو شأنهم عندما يلجأون إلى ملك من ملوك الدنيا ابتغاء القرب أو بلوغ الحاجات. وشرع لهم تعالى فريضة الحج بما فيها من أعمال ومناسك لتنظيم أوقات الزيارة وآدابها، ووعدهم على ذلك بوافر الإحسان وعظيم الرحمات ثم إنه زيادة في الفضل ودليلًا على الرضا وضع لهم هنالك الحجر الأسود ليكون كرمز ليمين الله في الأرض وشرع لهم تقبيله ليشهد لمن يقبله يوم القيامة، فلا غرو إذا كان لهذا البيت أثره الحميد في هداية الخلق إلى الخالق وإحكام الصلة ودوام الاتصال بينه وبينهم بالاتجاه إليه والإكثار حوله من أنواع العبادات التي من شأنها أن تهذب النفوس وتهديها إلى باريها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت