{فيه آيات} أمارات {بينات} تبرهن على ذلك، فمن الأدلة على أنه هو أول بيت وضع للناس {مقام إبراهيم} أي موضع قيامه عند بنائه للكعبة وهو أول نبي كان حنيفًا مسلمًا خرج على معتقدات قومه من عبادة الأوثان وأخذ يبحث عن ربه حتى عرفه فوجد عنده حسن اليقين وقد اقتضت إرادة الله أن تغوص قدما خليله في حجر صلب بشكل خارق للعادة وينطبع أثرهما عليه ويحفظ ذلك على مر السنين تخليدًا لذكرى عمله الجليل، وآية قائمة على أنه هو الباني لأول بيت وضع للناس من رب العالمين، والعرب يعرفون هذا بالنقل المتواتر من ذلك التاريخ، {و} من الأدلة على بركته أن {من دخله} أي البيت محتميًا به {كان آمنا} فهو في أمان الله وحفظه بحيث إن من يجرأ على ترويعه أو ظلمه فإنما ينتهك حرمة بيت ربه وقدسية أمانه، ذلك أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ووضع فيها بيته ليكون ملاذًا للخائف وملجأ للقاصد، فكل من جاء ملتجئًا خاضعًا تائبًا راجيًا عفو ربه واثقًا بقدرته على إعطائه ما يريد وتأمينه مما يخاف بلغه الله مناه ويسر له من السبل ما يجعل من له أمره فرجًا ومخرجًا، وقد قال تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} وقد أجمعت العرب - وهم أحفظ الناس للذمار - على قدسية هذا البيت وتعظيمه باعتباره بيت الله منذ عهد الجاهلية، فكانت تحترم اللاجئ إليه وتؤمنه من كل اعتداء بما في ذلك الأخذ بالثأر، {و} من الأدلة على أنه هدى للعالمين أن {لله على الناس} عهدًا من القدم {حج البيت} فقد أمر إبراهيم أن يؤذن فيهم به وأن يعلمهم مناسكهم ويتوجه بهم إلى البيت ويهديهم إلى ما يقربهم إلى الله {من استطاع إليه سبيلا} أي وكان ذلك الأمر بالوجوب حقًا لله موجهًا إلى كل مستطيع قادر من المسلمين والمسلمات على الإنفاق وتحمل مشاق السفر {ومن كفر} بذلك فجحد فريضته، أو تركه مع الاستطاعة {فإن الله} قد قال في حقه إنه سبحانه {غني عن العالمين} المعرضين سواء كان ذلك الإعراض بالجحد أو التقصير بالكسل أو بالبخل، وفي هذا التعبير إشارة إلى المقت والسخط والخذلان، كما يقول المرء لمن لم يجب طلبه: إني غني عنك ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم، والله سبحانه يقول لمن لم يبادر إلى حج بيته مع قدرته على ذلك بأنه غني عن العالمين: أي عن الناس أجمعين بما فيهم المطيع وغير المطيع فمن كفر فالغنى عنه أكثر، وهو سبحانه في غنى عن حجه، لأنه لم ينشئ البيت إلا لأمن عباده ولم يدعهم إلى حجه إلا لينتهلوا