من المدينة، وأقبل معبد الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم فأمره الرسول أن يلحق بأبي سفيان فيخذله فلحقه بالروحاء على بعد أربعين ميلًا من مكة فقال ما وراءك يا معبد؟ فقال الرجل: محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله وقد ندم من تخلف عنهم من أصحابه. فقال ما تقول؟ قال ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة، فقال أبو سفيان والله لقد اجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم، قال فلا تفعل فإني لك ناصح، فرجعوا على أعقابهم إلى مكة.
ولقد نزلت هذه الآيات بمثابة تذكير لتلك الحوادث حيث يقول تعالى: {و} اذكر أيها الرسول ما كان يوم أحد {إذ غدوت} خرجت غدوة {من أهلك} في يوم السبت السابع من شهر شوال في السنة الثالثة من الهجرة {تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} لأجل أن تضعهم في المواضع التي يلهمك بها ربك لكسب النصر في الوقت الذي كان فيه عبد الله بن أبي وهو من بطانة جيشك يفت في عضد أنصارك ويقول لقد أطاع محمد الولدان ومن لا رأي وعصاني فما ندري علام نقتل أنفسنا هنا أيها الناس، حتى رجع بثلث الجيش ممن اتبعه وكان على شاكلته من المنافقين. {والله سميع} لما كانوا يقولون {عليم} بما في نفوس باقي رجال الجيش. {إذ همت} الهم حديث النفس أي توقعت {طائفتان} هما بنو سلمة وبنو حارثة {منكم} ممن كان قوي الإيمان مصممًا على الجهاد مهما كلفه الأمر {أن تفشلا} وقد ظنا أن الفشل محدق بهما وخافا أن لا ينتصرا، نظرًا لأنهما كانا يعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مترددًا في أمر الخروج ولكنه استكره عليه لشدة إلحاح ذلك النفر من أصحابه. وما كان لهما أن يتوقعا الفشل {والله وليهما} وهو القادر على أن يكسبهما النصر بقوة من عنده رغم قلتهم وانصراف المنافقين عنهم {وعلى الله} لا على العدة والعدد {فليتوكل المؤمنون} الذين يثقون بقلوبهم حقًا بأن النصر بيد الله يؤتيه من يشاء بإعداده العدة وأخذ الأهبة لإقامة سننه في خلقه والتي تقضي باتخاذ الأسباب للوصول إلى المسببات من غير نسبة التأثير لشيء غير الله وحده القادر على أن يمنح النصر للفئة القليلة على الفئة الكثيرة متى أراد كما حصل في يوم بدر حيث قال {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} أي فما كان لتلكما الطائفتين أن يتوقعا الفشل والله وليهما، وما كان للمؤمنين أن يتخلوا عن التوكل على الله وأن يترددوا في نصره لهم ما داموا متبعين لأوامره عاملين على سننه وإن كانوا في قلة فأمامهم المثل القائم بنصر الله لهم في يوم بدر