{فينقلبوا} فيرجعوا من حربكم {خائبين} لم يظفروا بما أرادوه من إهلاك المسلمين والقضاء على الدعوة الإسلامية عسى أن يكون في ذلك من العبر ما يهديهم إلى التسليم بصدق الدعوة وبقدرة الله العظمى ويحملهم على الإيمان به وبكتبه وبرسله.
بعد أن ذكَّر الله رسوله عليه الصلاة والسلام بموقف المشركين حياله في يوم أحد أراد سبحانه وتعالى أن ينبهه إلى أمر صدر منه ما كان ينبغي له أن يصدر، ذلك أنه عليه الصلاة والسلام عندما كسرت راعيته وشج وجهه الشريف قال عليه الصلاة والسلام: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم» وبلغ به التأثير مبلغًا خشي منه من تفكك المسلمين فتوجه إلى الله قائلًا على غير عادته: «اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية» فأراد الله جل جلاله أن يتم تأديب رسوله ليرفعه إلى أعلى درجات الكمال في العبودية، ويجعل منه عبرة لأمته ليفوزوا بمعرفة حقيقة توحيد الألوهية حيث قال: {ليس لك} أيها الرسول {من الأمر} وهو طلب إحداث الشيء {شيء} فلله الأمر من قبل ومن بعد، وما أنت إلا مأمور بتبليغ الدعوة والجهاد في سبيل الله، وليس من حقك التدخل في أمر القضاء بين العباد فما كان لك أن تغضب من كسر رباعيتك، وشج وجهك لأن هذا لم يكن إلا بمشيئة الله ودستوره الذي سنه لعباده وما يكون لك أن تستبعد فلاح من أساء إليك وتلعنهم وأنت لا تدري ما هو مراد الله فيهم، وكان الأحرى بك أن تفوض أمرهم إليه جل وعلا فهو أدرى بصالح عباده وأعلم بالحكمة في جميع تصرفاته {أو} بمعنى حتى كقولك لآخر:"لألزمنك أو تعطيني حقي" {يتوب} الله {عليهم} فتفرح بتوبتهم وانضوائهم تحت لوائك وربما كان هذا أنفع لك {أو يعذبهم} فتفرح بعذابهم أيضًا لا تشفيًا لنفسك فليس هذا من طبعك، ولكن لأنهم استحقوا العذاب {فإنهم ظالمون} سائرون من تلقاء أنفسهم على السنن التي تؤدي بهم إلى العذاب دون حاجة لدعائك عليهم {ولله ما في السماوات وما في الأرض} وما فيها من العباد صالحهم وطالحهم، وهو سبحانه رب الجميع المالك لهم فلا يمكن أن يظلم أحدًا وينزل سخطه عليه لمجرد دعوة منك، وإنما هو تعالى {يغفر لمن يشاء} المغفرة من عباده بطلبها واتباع السنن المؤدية إليها من الإيمان بالله وعدم الشرك به وإخلاص العباد له {ويعذب من يشاء} العذاب منهم بسلوك الطرق الموصلة إليه من الشرك بالله والإصرار على ما لا يرضى الله وعدم التفكير في تجنب ذلك الخطر المنتظر الذي أنذر