الصفحة 374 من 1760

الله به العاصين في الحياة الأخرى {والله} من بعد ذلك {غفور رحيم} من شأنه التجاوز عن سيئات المسيئين ورحمة من يستحق الرحمة منهم بمحض كرمه ولكنه أجل من أن يعذب الطائعين بمحض الرغبة أو لدعاء أحد عليه حتى ولو كان نبيًا لأن هذا يتنافى مع عدله ولم يكن داخلًا ضمن مشيئته، وقد حصل وتاب الله على من لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامهم، وكان أبو سفيان سببًا في فتح مكة من دون إراقة دماء. وقد بسطنا الكلام على هذا في كتبنا «مستقبلك في يدك» وعند تفسيرنا للآية 284 في الجزء الثالث. وإنه ليسوؤني أن أجد بعض قرائي لا يزال متأثرًا ببعض العقائد الفاسدة عن الله جل وعلا وقد جمدت أفكارهم عند الحد الذي قرره لهم مشايخهم من أن كل شيء في الحياة قسمة ونصيب وأمر مقدر في الأزل لا يمكن للإنسان أن يجد عنه محيصًا فضلًا عن أن يقرر بنفسه مصيره. حتى أن بعض العلماء في دمشق قد أعجب بما جنحت إليه من تفسير قول الله تعالى: {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} وإعادة الضمير فيهما إلى من يعني العبد وقال إنه حقًا كلام جميل ومنطق معقول إلا أنه عندما سألني عمن قال به من المفسرين وأجبته بأنه لا أحد إلا أن هذا مما فتح الله به عليّ من ظاهر الآية وما يوافق مقتضى العدل الإلهي فقال إذن المسألة فيها نظر؟ كما قال لي آخر من كبار علماء السلف في هذه البلاد: إنه اطلع على جميع كتب المفسرين فلم ير أحدًا منهم قال بهذا ولو كان ما جنحت إليه حقًا لما خفي على فطاحلهم أمثال الألوسي والرازي والزمخشري وغيرهم من عهد السلف الصالح حتى الآن فأجبته أن فضل الله لا يحد وهو سبحانه يؤتي الحكمة من يشاء وإنني إذ أتجه هذا الاتجاه لا أجد في هذا خروجًا عن طريقة السلف الصالح ولم أجنح إلى التأويل في الآية {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} بل إني طبقت أبسط قاعدة من قواعد اللغة العربية وهي إعادة الضمير إلى أقرب مذكور وهو في الآية اسم الموصول الذي يشير إلى العبد لا إلى الله وتؤيدني في هذا الإتجاه آيات الله التي تنص صراحة على أنه تعالى قد سن طريق الخير وطريق الشر وترك الناس أحرارًا في اختيار ما يشاءون كما قضت رحمته أن يجعل دخول الجنة والنار معلقًا بمشيئة الإنسان وسبيل الأولى الإيمان والعمل الصالح وسبيل الثانية الكفر وسيء العمل حيث قال: وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت