الصفحة 376 من 1760

أن ما هو فيه من نعم الله ما هو إلا من عمل الطبيعة فقد قال تعالى في حقه {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ونرثه ما يقول ويأتينا فردا} .

وأعتقد أن السبب الذي حمل أولئك العلماء المتقدمين على إعادة الضمير، في الآية الكريمة إلى الله لا إلى من يعني العبد هو تأثرهم بما كان عليه حال الناس في العصور الماضية من الحكم الاستبدادي الذي يجعل الملك ذاتًا غير مقيدة في أحكامها ويوجب على الرعية السمع والطاعة واستجداء الرحمة عن طريق الشفاعة فقالوا في أنفسهم إذا كان هذا شأن ملوك الدنيا فلا شك أن الله سبحانه وتعالى أولى وأحق بذلك إذ هو خالق الخلق الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

وقد تطور الزمن واختلفت المفاهيم وظهر لنا منافاة الحكم الفردي للعدالة وأن أفعال الله التي لا يسأل عنها حقًا هي غير أحكامه التي قيدها سبحانه بمبدأ الدستور القائم على أساس العدل الكامل، وقد أعلنه لعباده وأمر الرسل أن يحكموا بين الناس بمقتضاه حيث قال: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون * وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون * وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون * وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} وأخبرنا تعالى أن قضاءه في ذلك اليوم إنما يكون بحسب ما أعلنه من قبل من أحكام لا لمجرد المشيئة حيث قال الله: {إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم} وأنه تعالى قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت