الصفحة 382 من 1760

«نعم ... حسبي أن أجد من عقلاء الأمة ومفكريها وقادة الرأي فيها كل تقدير وتأييد. فمن الواضح بداهة أنني لم أقصد بكل ما قلته إلا أن أقرر للملأ حقيقة قد لا يختلف فيها اثنان ذلك أن الله جل جلاله الذي خلق الخلق كما يريد لا يمكن أن يعتور أحكامه شيء من التقييد والإلزام إلا ما فرضه هو على ذاته العلية من ضرورة الإنذار والتنبيه على ألسنة رسله {رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا} لتكون أحكامه واجبة التقديس والتنزيه.

وأما القول بأن الله لا يستطيع أن يغير أو يبدل في أحكامه بأعمار الخلق وأرزاقهم فهذا وهم من شأنه أن يقف حائلًا دون سعادة الإنسان بحسب ما يقضي به دستور الله الأزلي خصوصًا وقد ثبت في الصحيح قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن صلة الرحم تزيد في العمر» وروى أحمد قوله: «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» وهذا لا يتنافى مع علمه تعالى بذلك من الأزل إذ يقول: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} كما أسلفنا فمن أيقن بأن الله قادر على كل شيء، ووثق بأن الله كريم ورحيم، لا يضن بالعطاء ولا يوصد بابه في وجه من رجاه، من أيقن بهذا لابد أن ينال منه ما يريد، وأما من لم يؤمن بقدرة الله أو من يجعل لكرمه ورحمته حدًا تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا فإنه لا يضر إلا نفسه يقول تعالى في كتابه الكريم: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين} {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} فهذا وعد صريح من الله جلت قدرته قطعه على ذاته العلية للناس كافة بأن يحقق لكل فرد ما يريد من سعادة في الدنيا والآخرة. فما قيمة هذا الوعد عند من يقول إن الإنسان لا ينال في الحياة إلا ما قدر له في الأزل فقط دون زيادة أو نقص مهما دعا ومهما عمل وقد أوضحنا المراد بالقدر بأنه أحكام الله الشرطية التي سنها لعباده، والآية صريحة في إن إنالة الإنسان ما يريد حق من حقوقه على الله برًا بوعده تعالى له فتطبيق السماء على الأرض أيسر على الله من أن يخلف سبحانه وعده بل إن في قوله تعالى: {وسنجزي الشاكرين} مجالًا متسعًا للطمع في ازدياد نعمة الله ووافر كرمه لمن آمن بعظيم قدرته وأكثر من طلباته، ووثق بنيلها وبالغ في الشكر عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت