لقد كان جماعة من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينسبون إلى الله كل ما يصيبهم من خير، ويقدسونه جل وعلا عما يصيبهم من شر ولا يعترفون بأن ذلك نتيجة عدم تطبيقهم لدستور الله بل ينسبونه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يشركونه معه فيما يصيبهم من ضرر فأنزل الله قوله: {إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} يقول الله ذلك ليفهمهم أن الحسنة والسيئة كلاهما من عند الله. ما دامتا قد وقعتا في ملكه وعلى مقتضى سنته في نظام الأسباب والمسببات فما بال هؤلاء المنافقين ينسبون السيئة إلى الرسول من دون الله ولا يرجعونها إلى الأسباب الحقيقية لها من أعمالهم، ولأجل أن لا يخطئوا فينسبوا السيئة إلى الله واضع السنن عاد جل وعلا فوجه الخطاب إلى رسوله وخطاب الله لرسوله خطاب للأمة المرسل إليها بقوله: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} أي وحتى أنت فكل ما أصابك من حسنة فهي من الله ذلك لأن الإنسان إذا اكتسب خيرًا فقد أضفى على نفسه من نعمة الله شيئًا جديدًا وذلك الشيء هو من ملكوت الله ومن عطائه والله طيب ولا يعطى إلا الطيب وأما من أساء فقد جلب على نفسه بعمل يده شيئًا خبيثًا والخبيث من نفسه نتيجة تفريطه أو إفراطه أو عدم إتقائه لأسبابه أو عدم اتباع دستوره وبعبارة أخرى إن المسيء يحرم نفسه من الخير بفعل الشر، والحرمان أمر سلبي لا يجني من ورائه الخير بل إنه يستحق عليه العقاب.
لقد نهى الله المؤمنين عن اتخاذ اليهود وأمثالهم من المشركين والمنافقين بطائن لهم، وأكد لهم أنه لن يضرهم كيدهم شيئًا ما اعتصموا بالصبر والتزموا واجب التقوى، وذكرهم بما يؤيد صدق هذا في حوادث بدر وأحد، ثم أخذ ينهاهم جل وعلا عن عمل آخر قد يكون وسيلة من الوسائل التي تدعو المؤمنين إلى اتخاذهم بطائن وهو من شر أعمال أولئك القوم، وهو سلاح مسلط في أيديهم للتنكيل بالمؤمنين ألا وهو الربا، فقد كان المشركون في الجاهلية يتعاملون به، يكون للرجل على آخر دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول تقضيني أو تزيد لي فإذا كان عنده شيء قضاه وإن لم يكن عنده ضاعفه للعام القابل، فإن لم يكن عنده ضاعفه أيضًا فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين فإن لم يكن عنده جعله أربعمائة وهكذا كل سنة، فأنزل الله قوله: {ياأيها الذين آمنوا} بالله المنفرد بالأمر والنهي والتحليل والتحريم {لا تأكلوا الربا} الذي تعودتموه من عهد الجاهلية {أضعافا مضاعفة}