ذلك لأنه مناف لنظام مشيئته الذي يقضي بأن يكون لهم كامل الحرية في الرأي والعقيدة والقول والعمل فمن حقهم أن ينظروا إلى الأشياء بالمنظار الذي يريدونه ليحاسبوا على ذلك يوم القيامة وبعد أن قسم الله الناس إلى ثلاثة أقسام. متَّقٍ، وكافر، ومن لا دين له؛ ولعلهم من الذين يسمون بلغة هذا العصر «علمانيين» ويرون أن العلم ينافي الدين، أخذ جل وعلا يدعو الناس جميعًا إلى عبادته مقال {يا أيها الناس} من عرب وعجم وسائر الأمم {اعبدوا ربكم} العبادة في اللغة مشتقة من العبودية بمعنى الاسترقاق ومقتضاها عند العرب أن يسخر العبد كل جهوده وقواه في خدمة مولاه. والخلق كلهم عبيد الله فهو بلا شك سيدهم وقد خلقهم لعمار الكون بما يرضيه من صالح الأعمال التي فيها نفعهم حيث قال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} . أي ليعملوا في الحياة من أجلي فدل هذا على أن جميع أعمال العباد في الحياة عبادة متى كانت قائمة على أساس الإيمان بالله وفي سبيل مرضاته. ومن أجل هذا كان خلوص العمل شرطًا أساسيًا في اعتباره عبادة وكان طلب العبد من مولاه قبوله والجزاء عليه روح كل عبادة ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «الدعاء مخ العبادة» وفي رواية الدعاء هو العبادة وتلا قوله تعالى: {ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} وهذا يدل على أن الله تعالى يطالب الناس جميعًا في هذه الآية بأن يعترفوا له بالعبودية ويخلصوا له الأعمال ويخصوه وحده بالدعاء لأنه تعالى هو الإله الواحد الذي يسمع النداء ويجيب الدعاء ويقضي الحوائج، ويحقق الآمال، وتوجيه الدعاء إليه دليل قاطع على الاعتراف بقدرته والإذعان لأوامره، والإقرار بالعجز عن إدراك أية غاية أو دفع أي ضر إلا بإرادته ومعونته وتوفيقه، وذلك لأنه سبحانه وتعالى هو {الذي خلقكم} أي أوجدكم من العدم {والذين من قبلكم} من الأمم وإذا كان هو وحده الموجد لكم جميعًا فما يكون لكم أن تعتقدوا قدرة غيره على جلب النفع أو دفع الضر، وما يكون منكم أن تطلبوا قضاء مصالحكم من أحد سواه، {لعلكم} بعبادته هذه {تتقون} أي تكونون في عداد المتقين الذين وصفهم الله فيما سبق وقال إنهم {على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} وهو {الذي جعل لكم الأرض فراشا} أي مهدها لكم حتى تكون صالحة لسكنكم وراحتكم من غير عناء {والسماء بناء} متقنًا محكمًا متماسكًا حافظًا لتوازنه, ولولا ذلك لكنتم مهددين بسقوطها عليكم {وأنزل من السماء ماء} ليس في مقدوركم الوصول لمعرفة كنهه ولا حقيقة تركيب عناصره وأبعاده ومواده,