بعد أن بين الله تعالى ما ينافي الإيمان الحق من التذبذب والتملق والذل لغير من خلق ونهى المؤمنين من اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين وعرض بالمنافقين وعذابهم استطرد إلى ذكر بعض أمور ليست من النفاق في شيء بل منها ما هو من صميم الصراحة التي جاء بها الدين ولكن الله لا يرضى بها لما فيه من أضرار اجتماعية ومنها ما هو ضد الصراحة ويقصد منه المغالطة في المسائل الاعتقادية لما يراد به من تكذيب الأخبار السماوية وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ما لا يرضاه من الصراحة التي تسبب أضرارًا اجتماعية بقوله: (لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ) ولو كان الأمر الذي يجهر به حقا لا مرية فيه (مِنَ الْقَوْلِ) كذكر عيوب الناس ومساويهم لأن هذا من شأنه يولد العداوة والبغضاء في النفوس ويؤدي إلى التقاطع وهضم الحقوق وسفك الدماء. وأقل ما في الأمر أنه إذا علم الناس بسيئات بعضهم دون أن يعلموا ما حل بهم أو ماذا كان جزاؤهم ربما راق ذلك في نظر العوام وحبب إليهم تقليدهم فيها فتشيع الفاحشة وتعظم البلوى (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) أي إلا المظلوم في أمر كان له أن يشكو أمره لمن ينتصر له وأن لا يسكت على ظلمه ويجهر بما أصابه ولا يزيد فيه شيئا بقصد إيغار الصدور والتأثير على سامعيه (وكان الله سميعا) بما يجهرون به من القول (عليما) بحقائق الأمور فإنه يؤاخذ من جهر بالحق بقصد التشهير بالناس ويثيب من جهر به بنية رفع الحيف أو رد المظالم وهو سبحانه إذ أعلن عدم حبه للجهر بالسوء من القول بغير عذر الظلم أردف ذلك بحكم إبداء الخير وإخفائه فقال (إن تبدوا خيرا) سواء كان قولا أو عملا (أو تخفوه) بعدم إذاعته (أو تعفوا عن سوء) أصابكم بالتجاوز عن ذكره وطلب مجازاة المسيء على ما اقترف في حقكم (فإن الله كان عفوا) يجزي الناس من جنس أعمالهم فيعفو عن العافين عن سيئات من أساء إليهم (قديرا) على أن يجزل الثواب على أعمال الخير سواء أبداها الإنسان أم أخفاها وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ما لا يرضاه من عدم الصراحة
في المسائل الاعتقادية بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِه) ولكنهم لا يصرحون بهذا (يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ) لتضليل الناس إذ يقولون إنا نؤمن بالله ولكنا لا نصدق برسالة الرسل (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) كقول اليهود: إنا لا نؤمن إلا بموسى وقول النصارى إنا لا