الصفحة 583 من 1760

بعد أن بين الله تعالى ما ينافي الإيمان الحق من التذبذب والتملق والذل لغير من خلق ونهى المؤمنين من اتخاذ الكفار أولياء من دون المؤمنين وعرض بالمنافقين وعذابهم استطرد إلى ذكر بعض أمور ليست من النفاق في شيء بل منها ما هو من صميم الصراحة التي جاء بها الدين ولكن الله لا يرضى بها لما فيه من أضرار اجتماعية ومنها ما هو ضد الصراحة ويقصد منه المغالطة في المسائل الاعتقادية لما يراد به من تكذيب الأخبار السماوية وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ما لا يرضاه من الصراحة التي تسبب أضرارًا اجتماعية بقوله: (لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ) ولو كان الأمر الذي يجهر به حقا لا مرية فيه (مِنَ الْقَوْلِ) كذكر عيوب الناس ومساويهم لأن هذا من شأنه يولد العداوة والبغضاء في النفوس ويؤدي إلى التقاطع وهضم الحقوق وسفك الدماء. وأقل ما في الأمر أنه إذا علم الناس بسيئات بعضهم دون أن يعلموا ما حل بهم أو ماذا كان جزاؤهم ربما راق ذلك في نظر العوام وحبب إليهم تقليدهم فيها فتشيع الفاحشة وتعظم البلوى (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) أي إلا المظلوم في أمر كان له أن يشكو أمره لمن ينتصر له وأن لا يسكت على ظلمه ويجهر بما أصابه ولا يزيد فيه شيئا بقصد إيغار الصدور والتأثير على سامعيه (وكان الله سميعا) بما يجهرون به من القول (عليما) بحقائق الأمور فإنه يؤاخذ من جهر بالحق بقصد التشهير بالناس ويثيب من جهر به بنية رفع الحيف أو رد المظالم وهو سبحانه إذ أعلن عدم حبه للجهر بالسوء من القول بغير عذر الظلم أردف ذلك بحكم إبداء الخير وإخفائه فقال (إن تبدوا خيرا) سواء كان قولا أو عملا (أو تخفوه) بعدم إذاعته (أو تعفوا عن سوء) أصابكم بالتجاوز عن ذكره وطلب مجازاة المسيء على ما اقترف في حقكم (فإن الله كان عفوا) يجزي الناس من جنس أعمالهم فيعفو عن العافين عن سيئات من أساء إليهم (قديرا) على أن يجزل الثواب على أعمال الخير سواء أبداها الإنسان أم أخفاها وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ما لا يرضاه من عدم الصراحة

في المسائل الاعتقادية بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِه) ولكنهم لا يصرحون بهذا (يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ) لتضليل الناس إذ يقولون إنا نؤمن بالله ولكنا لا نصدق برسالة الرسل (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) كقول اليهود: إنا لا نؤمن إلا بموسى وقول النصارى إنا لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت