نؤمن إلا بعيسى مع أن الإيمان بالرسل فرع من الإيمان بالله فمتى حصل الإيمان بالله كان لزامًا أن يؤمن الإنسان بجميع من أرسل من عنده ولا فرق بين موسى وعيسى ومحمد ما داموا جميعا يدعون إلى إله واحد (وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) أي بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل أو بين بعضهم بعضا طريق للضلال والتضليل (أولئكَ) المفرقون (هم الكافرون حقا) أي الثابت كفرهم يقينا وإن لم يصرحوا به ذلك لأن الإيمان بالله معناه اليقين بأنه الخالق للجميع والقادر على كل شيء والهادي إلى الصراط السوي وهذا يستلزم الإيمان بإرساله رسلا من قبله لهداية الناس وتبليغهم أوامر ربهم وأن ما يأتي منهم جميعا فهو من الله فإذا أنكر الإنسان الرسل فقد جحد قدرة الله على الإرسال أو حقه في الهداية والحكم بين الناس فيكون كافرًا، كذلك إذا آمن ببعض الرسل دون الآخرين فكأنما عبد الأشخاص ولم يؤمن بما جاءوا به إذ هم جميعا إنما يدعون إلى إله واحد. والكفر ببعضهم كفر بما دعا إليه الآخرون. (وأعتدنَا لِلْكَافِرِينَ) منهم ومن غيرهم (عذابًا) ولما كان من العذاب ما يتألم منه الإنسان ولكنه يستطيع أن يخفيه في نفسه دون أن يشعر به أحد فلا يكون فيه إهانة قال الله إن عذاب هؤلاء يمتاز عن سائر أنواع العذاب بكونه عذابًا (مُهِينًا) أي لا تخفى معه الإهانة نتيجة تغطيتهم الحقائق بعدم إظهارهم الكفر مع تفريقهم بين الله ورسله (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) إذا التزموا العمل بشريعته الأخيرة لاعتقادهم بأنهم ما داموا جميعا رسل الله وكتبهم كلها من عنده فالعبرة بالمتأخر وتعتبر شريعته ناسخة لما قبلها عقلا
ومنطقا وعرفا (أولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) على إيمانهم وما صحبه من الأعمال الصالحة (وَكَانَ اللهُ غَفُورًا) أي من شأنه الغفران ما عدا الشرك من السيئات (رَحِيمًا) بعباده فلا يؤاخذهم على الهفوات وما خفي من الآثام ويعامل المؤمنين به من واسع إحسانه لأنه على كل شيء قدير ...
بعد أن بين الله الأقوال التي لا يرضى الصّراحة بها لما فيها من أضرار اجتماعية أو مغالطة في المسائل الاعتقادية أشار إلى ما لا يرضاه من العبادات التي تدل على تكذيب الأخبار السماوية فقال (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ) من بني إسرائيل (أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا) خطيا موجهًا إليهم (مِنَ السَّمَاءِ) ومثل هذا