الشك (مِنْ رَبِّكُمْ) يثبت لكم كمال قدرته على كل شيء وهو هذا الرسول العربي محمد بن عبد الله فإنه بشخصه وجميع تصرفاته معجزة من معجزات الله الخالدة فقد نشأ يتيمًا بين قوم أميين مشركين ولم يتلق العلم على أحد من البشر كما تعلمون ومع ذلك استطاع أن يرشد الناس إلى الله بأدلة عقلية ومنطقية وصفات لازمة ربانية ويعلم الأميين والمتعلمين حقائق الأسرار الغيبية والعلوم الكونية وما تتزكى به النفس البشرية وتصلح به الحياة الاجتماعية بل إنه تملك مشاعر قومه وسيطر على قلوبهم وأجسامهم فأدبهم خير تأديب وهذب نفوسهم أعظم تهذيب وأخرجهم من الضلال إلى الهدى ومن الانقسام إلى الاتحاد والوئام ونشر العدل بينهم وأهلهم لأعلى المناصب وأرفع الدرجات في الحكم والسياسة وسائر الشؤون الأمر الذي يدل دلالة قاطعة على عظيم قدرة الله التي جعلت من الأمي عالمًا جليلًا ومربيًا قديرًا وقائدًا حكيمًا ليكون بذاته حجة قائمة على صدق دعواه ورسالته عن مولاه (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ) بالوحي عن طريقه وعلى لسانه (نُورًا مُبِينًا) أي كتابًا لا يقبل الشك أو التردد في صحته لأنه كالنور يعلن عن نفسه بنفسه أنه ليس من قول البشر يعجز الفصحاء ببلاغته ويفحم السائلين بقوة حجته فلا يسع المنصفون إلا أن
يؤمنوا بأنه من عند الله لأنه يتميز عن كلام البشر بميزة عظيمة هي أنه يهدي به تعالى إلى الرشد كل من تأمل في آياته وعمل في الحياة بحسب أحكامه وتعليماته فهو ينتزع جذور البغضاء من النفوس ويطأطئ لكلمة العدل أعظم الرؤوس وهو الذي ينشر ألوية السلام ويوطد أركان الأمن بين الأنام وهو الذي يسعد الناس في الحياة ويوم القيامة (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ) أي بهذا القرآن واستضاءوا بنوره واهتدوا بهداه (فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ) أي يجعلهم من وسائل إيصال رحمته إلى عباده بما يهبهم من الفضائل والمكرمات التي يبذلونها لصالح الناس وفقًا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله «إن الله خلق خلقًا من رحمته برحمته لرحمته وهم الذين يقضون الحوائج للناس فمن استطاع منكم أن يكون منهم فليكن» (وَفَضْلٍ) أي يجعلهم يعيشون في فضل ونعمة منه وقناعة تامة وغنى دائم في أنفسهم عما بأيدي الناس (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ) أي يلهمهم من الأعمال ما فيه مرضاته