الحاسبين أي إنه يحاسب الخلائق كلها في أسرع زمن وأقصره لا يشغله حساب واحد عن حساب غيره كما لا يشغله شأن عن شأن.
بعد أن أمر الله رسوله بالإعلان عن واسع علمه جل وعلا وقهره لعباده مع لطفه بهم ومردهم إليه، وأنه تعالى هو أسرع الحاسبين، عاد فأمره بدعوة الناس أجمعين إلى توحيده عن طريق مناشدة ضمائرهم بما توحيه إليهم فطرتهم في النائبات وأحلك الساعات من ضرورة اللجوء إلى الله فقال {قل من ينجيكم من ظلمات} جمع ظلمة وهي ذهاب النور {البر والبحر} أي عندما تضلون في الصحراء أو في خضم البحر، وتفقدون ما يهديكم إلى طريق الصواب كتراكم السحب وشدة العواصف وتنوع المخاوف، والخطر يتهددكم بنفاد الزاد والماء والموت الذي لا مفر منه؛ لا شك أنكم لا تجدون أمامكم في تلك الساعة الرهيبة غير الله فلا يسعكم إلا أن {تدعونه تضرعا} أي في ذل واستسلام {وخفية} خفية بضم الخاء وقرئ بكسرها أي دعاء صادر من دخيلة القلب وعن إيمان بأنه لا يملك النجدة في مثل تلك الحالة غير الله سبحانه وتعالى قائلين في سركم {لئن أنجانا} الله وقرئ «أنجيتنا» {من هذه} الظلمة التي نحن فيها وفرج عنا كربتنا {لنكونن من الشاكرين} أي لنكونن من عداد المؤمنين بالله المعترفين بنعمه المؤدين لحقوقه. فهذه منة لا تنسى لأنها جاءت إثر موقف رهيب وحالة يأس شامل {قل الله} وحده هو الذي {ينجيكم} المرة بعد الأخرى {منها} أي من تلك الظلمة بما سخره لكم من النجوم التي تهديكم إلى خطوط سيركم على الدوام {ومن كل كرب} أي همّ وغم شديد يحل بكم ويقض مضاجعكم من الحزن بما يأتيكم به من اللطف الخفي واليسر بعد العسر والفرج القريب {ثم أنتم} بعد أن تنقشع الظلمة ويأتي الفرج من محض كرمه وتدبيره {تشركون} أي تأبون أن تعترفوا بهذه المنة لله وحده بل إنكم لتنسبونها إلى محض الصدف أو الأسباب الجسمانية والجهود الشخصية، متناسبين ما كان منكم من دعاء وضراعة إلى الله وما قطعتموه على أنفسكم من عهد بالشكر في أثناء تلك الظروف. فتلك سجية من سجايا النفس البشرية لا يمكن أن تزول عنها إلا باهتدائها بما جاء من عند ربها.
بعد أن أمر الله رسوله بدعوة الناس إلى الإيمان بوحدانيته عن طريق مناشدة ضمائرهم بما توحيه إليهم فطرتهم في النائبات من ضرورة اللجوء إلى الله وختم الآية السابقة بإخبارهم بأن