لقد سرد الله في نهاية الجزء الثامن قصة نبيه شعيب مع أصحاب مدين ودعوتهم إلى عبادة الله وحسن معاملة خلقه وذكرهم بآلائه وحذرهم من نقمته وعلق مصيرهم في الدنيا على ما ينتظر من حكمه في شأنهم {وهو خير الحاكمين} عسى أن يثوبوا إلى رشدهم ويؤمنوا جميعًا برسالته وقد بدأ هذا الجزء بذكر جواب قومه عليه وما انتهى إليه مصيرهم فأخبر أنهم انشطروا إلى شطرين أحدهما طائفة العظماء المتنفذين وقد أشار إليهم بقوله {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} أي الذين أبت عليهم الأنانية وعزة النفس أن يصغوا لنصح شيخ هرم فقرروا استعمال الشدة في معاملته وعمدوا إلى تهديده إذ قالوا {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا} هذه التي نحن سادتها وأصحاب السلطان فيها ولفظ القرية يطلق على القطر أو المملكة {أو لتعودن في ملتنا} إن التعبير بالعود يقتضي أنهم كانوا على ملتهم أي تقاليدهم التي كانوا يدينون بها والتي توارثوها عن آبائهم وهذا لا ينافي القول بعصمة الأنبياء من الكفر حتى قبل النبوة فما من شك في أن شعيبًا كان يخفي إيمانه قبل أن يؤمر بالرسالة وهم يحسبونه على ملتهم فلما أمر بدعوتهم إلى الحق نقموا عليه وخيروه بين إحدى الحالتين فأجاب عنه وعمن آمن معه {قال أولو كنا كارهين} لكل من النفي من وطننا والتخلي عن ديننا بمعنى أليس لنا في شرعكم حلًّا غير هذين فالتخلي عن الدين أشد على النفس من النفي من الوطن {قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم} أي إن دعوتنا إلى ملتكم معناه أنا كنا كاذبين فيما نسبناه إلى الله من تزييفه لها والأمر بهجرها {بعد إذ نجانا الله منها} بما هدانا إليه من الإيمان فمن واجبكم والحالة هذه أن تعاقبونا على ذلك الافتراء لا أن ترضوا عنا وتسمحوا لنا بالإقامة بين ظهرانيكم {و} غير هذا {ما يكون لنا} أي ليس من حقنا {أن نعود فيها} أي في ملكتكم بمحض اختيارنا بعد أن آمنا بالله وسلكنا سبيل الهداية وفوضنا أمورنا إليه تعالى {إلا أن يشاء الله ربنا} أي إلا أن يغير الله نظام مشيئته القاضي بأن الإيمان والعمل الصالح سبيل الهدى بمشيئة أخرى تقضي بأن الشرك وسيئ العمل هما سبيل الهدى عندئذ نعود إلى ملتكم وهذا ما لا يمكن أن يكون ولن تجد لسنة الله تبديلًا فلا سبيل إلى عودتنا إلى ملتكم {وسع ربنا كل شيء علمًا} فعنده من العلم بأسباب الهدى والضلال والإيمان والكفر ما ليس لكم به علم {على الله توكلنا} أي وقد وكلنا أمرنا إليه وحده فهو القادر على أن يحطم قوتكم ويرد كيدكم في نحوركم ويجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} أي افصل