الصفحة 875 من 1760

اللهم بيننا وبينهم بالحق الذي مضت به سننك في التنازع بين الرسل والكافرين وبين المصلحين والمبطلين المفسدين {وأنت خير الفاتحين} أي الحاكمين الذين يفصلون في قضايا الناس في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة. وهنا تجلت قدرة الله فلم يقدم القوم على تنفيذ وعيدهم ولم يجرؤوا على إخراج شعيب ومن آمن معه من أرضهم وربما خافوا بأسهم {وقال الملأ الذين كفروا من قومه} للمؤمنين من أتباعه عندما أفحموا وعجزوا عن الرد عليه {لئن اتبعتم شعيبًا إنكم إذًا لخاسرون} أي أنهم عدلوا عن تنفيذ وعيدهم بالنفي من البلاد إلى محاولة صد الناس عن اتباعه وتنفيرهم عن دينه بزعمهم أن اتباعهم لنبيهم سيؤدي بهم إلى الخسران في كل شيء فهم يخسرون شرف الانتساب إلى دين آبائهم ويخسرون ما كان لهم من الثقة بهم في قومهم فيفقدون عطفهم وحسن معاملتهم فتضمحل ثروتهم إلى غير ذلك مما يعد خسارة في نظرهم {فأخذتهم الرجفة} أي فما كادوا ينتهون من صد المؤمنين عن دين الله حتى أصابتهم رعشة قوية من الخوف وعبر عنها في سورة هود بالصيحة ولعلها كما قلنا فيما أصاب قوم صالح أنها صاعقة شديدة جعلتهم يموتون هلعًا {فأصبحوا في دارهم جاثمين} أي متلبدين في الأرض لا حراك لهم {الذين كذبوا شعيبًا} وهددوه وأنذروه بالإخراج من قريتهم قد هلكوا وهلكت قريتهم فحرموها {كأن لم يغنوا فيها} أي كأن لم يقيموا فيها ولم يكن لهم غنى أو سعادة من قبل إذ أصبحت أطلالًا متهدمة وأثرًا بعد عين {الذين كذبوا شعيبًا} وهددوا المتبعين له بالخسران {كانوا هم الخاسرين} إذ فقدوا ما كان لهم من مال وبنين وعز وسلطان {فتولى} شعيب أي ابتعد {عنهم} وهم جاثمون في أرضهم {وقال} كما قال صالح من قبل لقومه بعد هلاكهم {يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم} أي أديت واجبي ورفضتم الإصغاء إليّ وقد نلتم جزاءكم {فكيف آسى} أي أحزن {على قوم كافرين} بالله جاحدين نعمه وقد أعذرت إليهم وبذلت جهدي في سبيل هدايتهم ونجاتهم فاختاروا لأنفسهم هذا المصير وإنما يأسى من قصر فيما يجب عليه من النصح والإنذار.

بعد أن بسط الله ما كان من إرساله للرسل وما أصاب أممهم من عذاب الاستئصال بسبب كفرهم بالله وعدم اتباع أوامره أخذ ينبه الأفكار إلى أن هذا النوع من العذاب لم يكن قاصرًا على زمن أولئك الرسل فقط ولا من أجل إيذاء الناس لهم بل إنه قائم على سنن الله الاجتماعية التي يجب أن يعلم بها الناس ويأخذوا لأنفسهم منها عبرة وعظة. ولذا فصلها جل وعلا فيما يأتي فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت