{وما أرسلنا في قرية} والقرية المدينة الجامعة لزعماء الأمة ورؤسائها التي يعبر عنها في العصر الحاضر بالعاصمة {من نبي} يدعو الناس إلى الله {إلا} صحبناه ببعض عوارض تصيب الناس في أحوالهم وأنفسهم وهي أنا {أخذنا أهلها بالبأساء والضراء} بمعنى ابتليناهم بالشدائد في معاشهم وأنواع الأمراض في أجسامهم {لعلهم يضرعون} أي أن الله جعلها وسيلة لإيقاظ الحس إلى ضرورة التعرف إلى الله عن طريق ذلك النبي للرجوع إليه بالضراعة ليكشف عنهم ما أصابهم، ذلك أن الإنسان بفطرته مجبول أنه في حال شدته لا يلجأ في سره إلى غير مولاه يسأله تفريج الكرب وتخفيف الآلام كما قال تعالى في سورة يونس: {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} .
{ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة} أي وقضت مشيئتنا أيضًا أن نعقب الشدة بالفرج والعسر باليسر والمرض بالصحة لنختبر مبلغ إيمانهم إذ يقول تعالى في سورة الأنبياء {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} . {حتى عفوا} من عفا
النبات والشجر والشعر إذا كثروا والمعنى حتى كثروا ونموا نتيجة لما يغمرهم به الله من الحسنات ذلك أن الصحة واليسر من دواعي كثرة الغسل وسبيل الطغيان {وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء} أي وحتى جهلوا الغاية التي من أجلها أخذ الله الناس بالبأساء والضراء وهي الضراعة وأصبحوا لا ينظرون إلى هذه السنن بعين الاعتبار والاتعاظ بأحداث الزمان ولا يعتقدون أن تغير أحوال الإنسان ما هو إلا نتيجة الصلاح والعصيان بل قالوا إن الضراء والبأساء من العوارض الطبيعية التي تعتري الإنسان في الحياة وقد أصابت آباءنا وسيصيبنا ما أصابهم فلا الضراء عقاب من الخالق على المعاصي ولا السراء جزاء منه على صالح الأعمال مع أن الله سبحانه قد أشار إلى هذا بقوله في سورة الرعد {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} .
{فأخذناهم بغتة} أي فكان عاقبة ذلك أن فاجأهم العذاب {وهم لا يشعرون} بأنه سيحل بهم ما حل لأنهم يجهلون سنن الله الاجتماعية هذه إذ لم توصلهم إليها عقولهم ولم يصدقوا الرسل في إنذارهم بها والقرآن مليء بالآيات التي تشير إلى هذا الطبع في الإنسان وإلى ما يترتب عليه من