ولم ينقل أن الله قد بعث نبيًّا أميًّا غير نبينا صلى الله عليه وسلم فكانت الأمية من أكبر آيات الله الشاهدة على صدقه في دعوى الرسالة إذ لا يعقل قط أن رجلًا نشأ في الصحراء بين قوم أميين ولم يتلق العلم على أحد يمكن أن يتطور حاله في كبره بين عشية وضحاها من أمي إلى عالم جليل يأتي قومه بكتابه القرآن الجامع لأخبار الأولين والآخرين وفيه من العلوم الدينية والكونية والاجتماعية ما يصلح عقائد البشر وأخلاقهم وآدابهم وسائر أعمالهم وأحكامهم {الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل} وسنأتي في آخر الآية ببيان ما جاء في التوراة والإنجيل عنه {يأمرهم بالمعروف} عرف الشيء علمه والمعروف الإحسان أي أن دينه يقوم على أساس العلم والمعروف ودعوة الناس بالإحسان دون القسوة {وينهاهم عن المنكر} من كل أمر تأباه النفوس الظاهرة ولا ترضاه ويتجافى عنه الإيمان الصحيح. روى الإمام أحمد عن ابن حميد وأبي أسيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث عني تنفره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه» .
{ويحل لهم الطيبات} التي تفيدهم في حياتهم ولا ضرر فيها على صحتهم وأموالهم {ويحرم عليهم الخبائث} من كل ما تمجه الطباع السليمة وتستقذره {ويضع عنهم إصرهم} الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه ويمنعه عن الحركة {والأغلال التي كانت عليهم} في عهد موسى وقد ورد في الحديث عن رسول الله قوله: «بعثت بالحنفية السمحاء» وقال لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن «بشرا ولا تنفروا ويسرا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تختلفا» {فالذين آمنوا به} بعد بعثته {وعزروه} أي عظموه ووقروه {ونصروه} بكل ما يستطيعون {واتبعوا النور الذي أنزل معه} أي الشريعة التي جاء بها {أولئك هم المفلحون} أي الفائزون برحمة الله العظمى ورضوان دون سواهم وهذه بشارة عظمى ووعد قاطع من الله برحمته للمسلمين الذين يؤمنون برسالته صلى الله عليه وسلم ويعزروه وينصروه ويحرصوا على اتباع شريعته كما أمر من غير زيادة ولا نقصان وهنا نعود فننقل ما ورد في التوراة والإنجيل ببشارة ببعثة رسولنا عليه الصلاة والسلام وإن كان اليهود والمسيحيون ينكرون هذا فنقول جاء في الآية العشرين من الباب السابع عشر من سفر التكوين عن وعد الله لإبراهيم عليه السلام في حق إسماعيل عليه السلام في الترجمة المطبوعة