فيهم بما قضيت فلماذا أصبت زعماءهم بالرجفة الآن {أنت ولينا} صاحب الأمر النافذ فينا {فاغفر لنا} ما اقترفه القوم من عبادة العجل ولا تؤاخذهم على ذلك ما داموا قد جاءوا إليك مستغفرين {وارحمنا} أي منّ علينا برحمة منك تؤهلنا لطاعتك والعمل بما يرضيك {وأنت خير الغافرين} المتجاوزين عن الذنوب مهما عظمت {واكتب لنا في هذه الدنيا} حياة طيبة {حسنة} تساعدنا على طاعتك والقيام بواجب شكرك {وفي الآخرة} من الجزاء وفق ما وعدتنا {إنا هدنا إليك} أي تبنا إليك وآمنا بك ورجعنا إلى الحق الذي أنزلته لنا وهو بهذا إنما يعبر عن قومه الذين جاء بزعمائهم للاستغفار فرد الله لهم الحياة حيث قال في آية أخرى {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} ، وأجاب على دعاء موسى بما يفهمه أن الرجفة التي أصابت زعماء قومه لم تكن عقوبة على الأمر الذي فتنهم به وهو عبادة العجل فذلك أمر قد انتهى فعلًا وإنما الذي أصابهم كان بسبب ما اقترفوه أخيرًا من إصرارهم على الكفر وقولهم: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} إذ {قال عذابي أصيب به من أشاء} أي من المستحقين له بمقتضى مشيئتي الأزلية فإني لا أعذب أحدًا بغير جرم صدر منه {ورحمتي وسعت كل شيء} أي أما رحمتي فمطلقة غير مقيدة بنظام المشيئة فقد أمن بها على من أحب لا معارض لي، ولا محل للوم عليّ، وهنا استدرك الله جل جلاله الأمر ولم يرد أن يجعل أمر الرحمة مفروضًا إلى ذاته العليا فحسب بل أراد أن يشعر عباده بمن سيمنحهم تلك الرحمة الواسعة ويرشدهم إلى السنن التي سنها لنيلها حتى لا يتوهموا أنها تنال بمجرد الشفاعة والوساطة دون العمل فكل شيء عنده تعالى بنظام ومقدار حيث قال {فسأكتبها} لأصناف ثلاثة فصلها بقوله {للذين يتقون} الله في سرهم ويخافون بأسه فينتهون عن معاصيه {ويؤتون الزكاة} أي يؤدون ما فرضه الله على أموالهم وأنفسهم من حقوق وإنما خص الله الزكاة بالذكر من دون سائر العبادات لأن التخلي عن المال ابتغاء مرضاة الله هو أكبر عمل إيجابي يدل على تمكن الإيمان من قلب الإنسان، وفي هذا إشارة إلى شدة حب اليهود للدنيا وافتتانهم بجمع المال ومنع بذله في سبيل الله فإن من اتصف بهاتين الصفتين من قوم موسى في وقته فسيكتب الله لهم رحمته وأما من يأتي من نسلهم فلا يكتفي منهم هذا لنيل رحمة الله بل لا بد أن يكونوا كما قال تعالى {والذين هم بآياتنا يؤمنون} أي الذين يصدقون بجميع كتب الله المنزلة على سائر الرسل وهم {الذين يتبعون الرسول} الذي يأتي في آخر الزمن {النبي الأمي} أي الذي لم يتلق العلم على أحد