أي من بعد التوبة والإيمان {لغفور} لا يؤاخذ الله الناس عليه فالإسلام يجبّ ما قبله {رحيم} ينعم برحمته على من سلك السبيل إليها من الأعمال الصالحات.
عندما اطمأن موسى على قومه من الهلاك بما علمه من حكم الله فيهم وفي غيرهم من الأمم وأن في الوقت متسعًا لهدايتهم وحصولهم على رحمة الله وغفرانه انشرح صدره وبدأ يفكر في استئناف الدعوة وتبليغ الرسالة حيث قال تعالى {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح} التي ألقاها من قبل لدراستها والعمل على نشرها وتبليغها لقومه {وفي نسختها} المأخوذة عن اللوح المحفوظ {هدى} إرشاد من الخالق سبحانه وتعالى {ورحمة} من الله {للذين هم لربهم يرهبون} أي الذين يرهبون الله لذاته باعتباره خالقًا لهم قادرًا على أن ينزل بهم العذاب بهم في كل وقت إذا هم عصوه فهم في خوف دائم أبلغ من الخوف من عذاب الله المنتظر يوم القيامة ولكنه لا يجدي إذا لم يقترن بالتوبة ولذا قال موسى لقومه: {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم} .
{واختار موسى قومه} جرى المفسرون على أن موسى تخير من قومه بحذف حرف الجر وعندي أن المراد أنه اختار زعماء قومه أصحاب الكلمة فيهم الذين يمثلونهم وكان عددهم {سبعين رجلًا} وسار بهم {لميقاتنا} الذي حددناه لهم للاعتذار عن عبادة العجل والتوبة وتجديد الإيمان لينالوا غفران الله ورحمته فلما أتوا ذلك المكان قالوا لموسى: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة} فصعقوا من هولها {فلما أخذتهم الرجفة} أي ارتعدت فرائصهم حتى ماتوا من الرعب. وخشي موسى أن يتهمه بنو إسرائيل بقتلهم فتوجه إلى ربه بالدعاء {قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} أي حبذا لو اقتضت مشيئتك بهلاكي وهلاكهم من قبل خروجنا فإني طمأنتهم بمغفرتك وجاءوا معي للاستغفار فماذا يقول قومهم إذا لم يعودوا معي وأنا على ثقة بأن هذا لن يكون منك {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} من الذين عبدوا العجل {إن هي} أي الفكرة التي لوحت بصنع العجل وتجسده وخواره لم تكن {إلا فتنتك} أي اختبارك الذي أخبرتني عنه من قبل بقولك {إنا قد فتنا قومك من بعدك} . {تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} أي من شأن الفتنة أن تظهر ما انطوت عليه سرائر الناس من ضلال يستحقون عليه العقوبة أو هداية ينالون بها حسن الجزاء بحسب سنتك في جريان مشيئتك في خلقك بالعدل والحق وقد تم الاختبار وقضيت