الله لا يحل بالأمم إلا متى غلب الفسق والظلم على أهلها {فلما عتوا عن ما نهوا عنه} العتو الاستكبار أي أنهم لما استكبروا عن الخضوع لأوامر الله وترك ما نهاهم عنه {قلنا لهم كونوا} في طبائعكم وأخلاقكم {قردة} أي أنه تعالى كتب عليهم السقوط عن درجة الكمال الإنساني إلى مستوى القردة الذين فقدوا صفات النبل والشهامة فلا يتورعون عن التضحية بشرفهم وكرامتهم في سبيل الحصول على المادة والانغماس في الشهوات البهيمية فجردوا عن عواطفهم الإنسانية فأنزلهم منزلتهم فقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا} وقوله تعالى أيضًا: {وجعلنا منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت} وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره والصحيح أن المسخ معنوي صوري اعتباري {خاسئين} أي كونوا بحسب سنة الله في الطبائع والأخلاق كالقردة المستذلة الحقيرة في أعين الناس فلا يراكم كرام الناس أهلًا لمجالستهم ومعاملتهم.
بعد أن أخبر الله رسوله بما قضت به إرادته في بني إسرائيل عندما عتوا عن أمر ربهم من السقوط إلى مستوى القردة الذين فقدوا صفات النيل والشهامة بحيث لا يتورعون عن التضحية بشرفهم وبكرامتهم في سبيل المادة والانغماس في الشهوات البهيمية أخذ يخبره عليه الصلاة والسلام بما يترتب على ذلك من عقوبة في هذه الحياة بمقتضى ما سنه تعالى من نظامه الاجتماعي للبشر فقال {وإذ تأذن} أي واذكر إذ تأذن من الإيذان وهو الإعلام الذي يبلغ ليدرك بالأذن {ربك} أن أعلن للملأ كافة أنه سبحانه {ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب} أي أن الله سيسلط عليهم في جميع الأوقات من يذيقهم أنواع العذاب نتيجة تضحيتهم بالشرف الذي هو أغلى نعم الله على الإنسان في سبيل الحصول على المادة وبلوغ الشهوة {إن ربك لسريع العقاب} وصدق الله فها نحن أولاء الذين سمعنا بآذاننا ما أخذ الله على ذاته العلية من وعيدهم قد شهدنا بأعيننا تعذيب هتلر لهم وإقصائهم من بلادهم التي كانوا فيها آمنين في عيش رغد إلى حيث يذوقون آلام الجوع والعطش والترويع بخطر الحرب التي تهددهم في كل ساعة بالفناء بقوة الله وهل نعد هذا من عذاب سبحانك اللهم ما أعظم قدرتك وأحكم تدبيرك {وإنه لغفور رحيم} أي أنه تعالى لم يوصد باب مغفرته ورحمته في وجه من تاب منهم وأناب وعمل الصالحات، وهنا