أخذ جل جلاله يبين سنة أخرى من سننه الاجتماعية التي شرعها الله لإذلالهم وتنفيذ أمره فيهم بالعذاب فقال {وقطعناهم في الأرض أممًا} أي صيرناهم أممًا متقطعة متفرقة في أنحاء الأرض لا تجمعهم جنسية واحدة ولا تحكمهم دولة واحدة بعد أن كانوا أمة واحدة فالعمل على جمعهم في وطن قومي واحد ودولة واحدة تحد له جل وعلا لا يمكن أن يتم ولئن قامت دولة إسرائيل وجمعت بعض أفرادهم فما ذلك إلا إلى حين أن ينفذ فيهم أمره الذي أخبرنا به رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تقوم الساعة حتى تقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهود وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود» والغرقد شجر له شوك في فلسطين {منهم الصالحون} أي أنه تعالى مع غضبه عليهم وما كتب عليهم من الذلة والعقاب لم يوصد دونهم باب رحمته كما فعل بالشيطان الرجيم بل منحهم عقولًا تمكنهم من الاهتداء بهدي القرآن فيكون منهم من يبلغ درجة الصالحين كالذين آمنوا برسالة خاتم النبيين {ومنهم دون ذلك} أي ومنهم من لم يبلغ درجة الصلاح بمعنى أنهم متفاوتون في درجات الضلال {وبلوناهم} أي امتحنا سرائرهم {بالحسنات والسيئات} شأنهم في ذلك كشأن سائر الأمم {لعلهم يرجعون} عن غيهم وضلالهم وينيبوا إلى ربهم الذي منّ عليهم بفضله ورحمته ولكنهم لم يرجعوا عن غيهم حتى سرى ذلك إلى أبنائهم {فخلف من بعدهم} أي من بعد مجموع بني إسرائيل الذين كان فيهم الصالح والطالح والبر والفاجر {خلف} الخلف بفتح اللام الولد مطلقًا أو الولد الصالح. ويكون اللام كما هنا الولد الرديء السيئ {ورثوا} عن آبائهم {الكتاب} أي التوراة وزعموا التمسك بها بينما هم في الواقع {يأخذون عرض هذا الأدنى} أي بظاهر الكتاب الخارجي بمعنى يظهرون بمظهر المتمسكين بهذا الكتاب الذي هو عبارة عن العرض الزائل دون جوهره فيكتفون بمجرد انتمائهم لدين اليهودية وهم لا يعملون وفق تعاليمها {ويقولون سيغفر لنا} أي ربما لا يؤاخذنا الله بذنوبنا فإننا شعبه الخاص وسلائل أنبيائه ونحن أبناء الله وأحباؤه كما حكى الله ذلك عنهم ونفاه بقوله في القرآن الكريم {قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق} .
{وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} أي إذا طلب منهم أن ينتموا إلى أي دين من الأديان دون أن يدينوا به حقًّا ويتبعوا تعاليمه فلا يرون بأسًا في ذلك فالدين عندهم لا يقوم على أساس العقيدة