الصفحة 919 من 1760

فترى منهم من ينتمي إلى الإسلام أو المسيحية ولا يؤمن بحقيقة ما يدين به {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب} الذي يزعمون التمسك به والانتماء إليه {أن لا يقولوا على الله إلا الحق} فهل يجدون فيه ما يثبت فريتهم وقولهم إن الله سيغفر لهم {ودرسوا ما فيه} أي والحال أنهم قد أقبلوا على دراسة ما فيه من تحريم الكذب على الله ومن العهد الذي أخذ عليهم بالعمل بكتابه كما جاء في آخر سفر تثنية الاشتراع {والدار الآخرة خير للذين يتقون} أي والحال أن مشيئة الله قد قضت بأن الدار الآخرة خير وسعادة للذين يتقون الله فيأتمرون بأمره وينتهون عما نهى عنه، وشر وبلاء على من كفر به وافترى الكذب عليه {أفلا تعقلون} وقرئ «يعقلون» هم وأمثالهم من كل من يرجو غفران الله من غير تقواه، ويكتفي بالانتساب إلى الشريعة والعمل بمظاهرها دون الأخذ بمبادئها وتطبيق أحكامها إذ العقل لا يسلم بأن الله سيمنح غفرانه لمن لم يعمل لطلب الغفران بسلوك السبل المؤدية إليه وفي مقدمتها الإيمان بالله والاعتقاد الجازم بوحدانيته، وقد أكد الله في آيات كثيرة في القرآن أن العمل سبيل الغفران وأنه ليس لمجرد الأمل محل في دستور الله حيث قال تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءً يجز به} .

{والذين يمسكون} بتشديد السين {بالكتاب} أي يحرصون على تنفيذ أحكام الكتاب {وأقاموا الصلاة} بمعنى حافظوا عليها {إنا لا نضيع أجر المصلحين} أي لا نضيع أجرهم لأن دستورنا يقضي بأن ينال كل مصلح جزاءه الذي قدر له وقد ختم الله هذه الآيات من قصة بني إسرائيل بذكر سنة من سنن الله التي جعلت أبناءهم جميعًا خلف سوء دون سائر الأمم هي أن أسلافهم من قبل لم يعتنقوا الشريعة عن هدى وإيمان وقناعة وجدان بل تحت تأثير الخوف والإرهاب حيث قال {وإذ نتقنا} أي واذكر إذ نتقنا، النتق: قلع الشيء من موضعه والرمي به {الجبل} وهو جبل الطور {فوقهم} أي جعلناه من فوقهم حتى كان {كأنه ظلة} أي سقيفة من غير عمد {وظنوا أنه واقع بهم} فداخل قلوبهم الرعب من وقوعه بهم وعند ذلك وهم على تلك الحالة قلنا {خذوا ما آتيناكم} من الشريعة {بقوة} وعزيمة على العمل بها {واذكروا ما فيه} من الأحكام {لعلكم تتقون} أي عسى أن يكون لكم من ذكر نتق الجبل فوقكم وسيلة لتقوى الله في النصر، فتقبلوها وما دام أسلافهم لم يأخذوا بالشريعة إلا عن طريق الخوف من وقوع الجبل عليهم فلا غرو إذ ما آل أمر خلفهم إلى ما هم عليه من عدم خوف الله وترك العمل بشريعته بعد طول الأمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت