الصفحة 920 من 1760

وقساوة القلوب وتراكم الذنوب وهذا على حد قوله تعالى {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا} .

بعد أن أخبر الله رسوله بأن ما أصاب بني إسرائيل من عذاب لم يكن إلا عقابًا على الكفر بالله وفق سنن عامة وأسباب مضطردة أخذ يخبره بالأساس الذي تترتب عليه تلك العقوبات وتوجب مسئولية الناس أجمعين أمام رب العالمين فقال {وإذ أخذ ربك} أي واذكر أيها الرسول أن ربك قد أخذ، والأخذ: حوز الشيء وتحصيله تارة بالتناول وتارة بالقهر نحو قوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} ويقال أخذته الحمى أي قهرته والمعنى أن الله قد قهر وجبل {من بني آدم} أي كل فرد من أفرادهم {من ظهورهم} أي منذ كانوا نطفًا في العمود الفقري لهيكل الإنسان الذي هو قوام بنيته وأساس تكوينه {ذريتهم} بالإفراد الذي يفيد العموم وقرئ «ذرياتهم» بالجمع أي الذين قضى الله بحياتهم من الذرية إذ فطرهم على الإيمان به خالقًا يلجئون إليه في الشدائد ويرفعون إليه الأيدي بالضراعة حيث قال تعالى: {فأقد وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} وجاء في الصحيحين: «كل مولود يولد على الفطرة» وفي رواية: «على هذه الملة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» وفي صحيح مسلم يقول: «يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فأحالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» .

{وأشهدهم} أي جعلهم ربهم بأساس خلقهم وتكوينهم شاهدين {على أنفسهم} بأنهم مخلوقون لله بفطرتهم وبما وهب لهم من عقول سليمة تدرك أنه لا بد لكل فعل من فاعل وكل مصنوع من صانع وكل مخلوق من خالق بحيث أنهم متى سئلوا من قبل خالقهم {ألست بربكم} ؟ لا يسعهم إلا أن {قالوا} بلغة الاستعداد ولسان الحال {بلى شهدنا} بربوبيتك وخلقك لنا وهذا ما هو واقع فعلًا فما من عاقل في الوجود يستطيع أن ينكر أنه في ذاته مخلوق لخالق هو ربهم ورب الخلق أجمعين فأمر الربوبية مما توحي به الفطرة والعقل السليم وإن اختلف الناس في ألوهيته تعالى فآمن بها البعض وأنكرها آخرون أو اتخذوا معه شركاء {أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} أي وإنما قهرناكم على الإيمان بالله بفطرتكم وجعلنا لكم من عقولكم ما يشهد بربوبيتنا منعًا لاعتذاركم أو احتجاجكم يوم القيامة عن الكفر أو الشرك بالغفلة بمعنى عدم الشعور مما لا يتفق مع الفطرة والعقل إذ لو نطقتم بلسان الفطرة والعقل وحكمتم العقل في الأمر لآمنتم بربوبية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت