الله وما يستلزمه ذلك من توحيد الألوهية وعبادة الله وحده {أو تقولوا} أي وإنما عملنا ذلك منعًا لاعتذاركم بعذر آخر هو قولكم {إنما أشرك آباؤنا} الذين أنزلت الكتب عليهم وأرسلت الرسل إليهم وأمروا بالإيمان {من قبل وكنا ذرية من بعدهم} جاهلين بأن ما كان منهم شرك ولذلك كنا نقتدي بهم ونتبعهم {أفتهلكنا} أي تعذبنا {بما فعل المبطلون} الذين بثوا الكفر في نفوسنا فهذا أيضًا عذر لا يقبل ما دام الله قد منحكم من العقل ما هو كفيل بدحض ما يلقنه لكم آباؤكم {وكذلك} أي بمثل هذا الإخبار بما فطر الله الناس عليه وما وهبه لهم من عقل يهدي إلى الإيمان {نفصل الآيات} والدلائل لسائر بني آدم ليستعملوا عقولهم للتمييز بين الحق والباطل {ولعلهم يرجعون} عن كفرهم وتقليد آبائهم واتباع الأمر الذي يدل صراحة على أن من لم تبلغه بعثة الرسل لا يعذر يوم القيامة بالشرك بالله؟ كيف وقد أرسل الله الرسل لهداية الناس وتنوير عقولهم بعد ذلك وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم بالشريعة السمحة التي لم تجعل للكفار اليوم أي عذر في عدم اتباع شريعته، وهذا كتاب الله يتلى في محطات الإذاعة في جميع أنحاء العالم صباحًا ومساء بلاغًا للناس فيصل إلى كل مستمع ومن واجب كل إنسان أن يبحث عن حقيقة ما يتلى ويتدبر ما فيه وقد قال علماء الحقوق إنه متى صدر القانون وأذيع فلا يعذر من يدعي الجهل به أو عدم سماعه.
وبمقتضى ما ذكر في هذه الآية فإنه تعالى لا يؤاخذ من المشركين غير العقلاء ولا من ذرياتهم إلا من بلغ من الرشد الذي هو مدار التكليف فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما علم بقتل المؤمنين للمشركين وذرياتهم اشتد غضبًا وقال: «ما بال أقوام يتناولون الذرية» فقال رجل يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين فقال: «إن خياركم أبناء المشركين إلا أنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها» .
بعد أن أخبر الله رسوله بالأساس الذي تترتب عليه عقوبة الكفر وتوجب مسئولية الناس أمام رب العالمين وهو أنه تعالى قد فطرهم على الإيمان ومنحهم من التمييز والعقل ما يشهد لله بالربوبية وما يستلزم ذلك من توحيد الألوهية وإخلاص العبادة لله. أمر رسوله أن يذكر الناس بالله ويصور لهم من يتجرد من فطرته ولا يحكم عقله في نذير آيات الله العقلية والكونية للاستدلال بها على وجوده فيرفض الإيمان بالله ويكذب آياته بصورة الثعبان الذي ينسلخ عن