الصفحة 946 من 1760

الإنسان دائمًا إلى الله ويترتب على هذا احتمال اتباع أوامره والانتهاء عما لا يرضيه {لعلكم ترحمون} أي فتنالوا رحمته أما سماع القرآن من غير إنصات وتدبر والتشاغل عنه بأحاديث الناس أو بالتفكير في غيره أو حتى في طريقة إلقاء القارئ له والإعجاب بها كما يفعل الناس اليوم فكل ذلك لا يؤدي إلى رحمة الله. ومتى رحم الله قومًا نعموا بالسعادة في الدارين وأكبر شاهد على هذا أن أسلافنا الصالحين عندما أقبلوا على تدبر القرآن والعمل به فتحوا الدنيا وسادوا العالم ورفعوا راية الإسلام في كل مكان وعندما أهملنا تدبر القرآن والعمل بما فيه واكتفينا بتلاوته على الأموات وشبه الأموات وأن نفتتح به الحفلات ونتلوه للتبرك ونحمله لشفاء الأمراض زالت الفائدة منه وحل بنا غضب الله وأصبحنا في مؤخرة الأمم وأضعف الشعوب ولا سبيل لاستعادة مجدنا إلا بالرجوع إلى ما كان عليه سلفنا الصالح والعمل على تفهيم الناس معاني القرآن ليتدبروها ويتعظوا بها ويهتدوا بهديها، الأمر الذي من أجله وضعت لهم هذا التفسير وعملت على توزيعه على العلماء في المساجد ودور المطالعة ابتغاء وجه الله وقيامًا بواجبي نحوه ولأذكرهم بأن الله قال: {وذكر بالقرآن من يخاف وعيد} وقد بسطت هذا الموضوع في الصفحة 32 من الجزء الثاني من هذا التفسير أسأله تعالى حسن القبول وما توفيقي إلا بالله وأما الأمر الذي أوجبه الله على عباده والذي يتسنى للإنسان الحصول به على منتهى السعادة في الدارين بل به يعم السلام العالم بأجمعه فهو قوله: {واذكر ربك في نفسك} أي راقب الله بقلبك في جميع حركاتك وسكناتك واعلم أنك إنما تسير في هذه الحياة بقوة الروح التي وهبها الله لك فلا تستعملها في ما يغضبه مخافة أن ينتزعها منك في الحال عدا ما سيؤاخذك عليه في الآخرة {تضرعًا} أي حال كونك مظهرًا لله الضعف والخضوع {وخيفة} أي وفي حالة خوف وخشية من عذاب الله {ودون الجهر من القول بالغدو والآصال} أي واذكره أيضًا بصوت ضعيف في صباحك ومسائك وجميع أوقاتك فهذا ما لا يعسر عليك فعله وأنت في طريقك ووراء مكتبك وفي سائر المجتمعات فهذا هو إكسير السعادة في هذه الحياة إذ هو خير علاج وصفه رب العزة لطمأنينة النفس العاتية أو القلقة للحصول على السعادة الحقة وبدونها لا يكون الإنسان سعيدًا مهما أوتي من مال وجاه حيث قال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت