الصفحة 951 من 1760

لقد تضمنت السورة السابقة بيانًا كاملًا عن إثبات وحدانية الله وربوبيته ووجوب عبادته والإيمان بالوحي والكتب والرسالة والرسل والآخرة والبعث والجزاء وأصول التشريع وبعض قواعد الشرع وسننه تعالى في الخلق والتكوين ودستوره الاجتماعي للبشر وختمها بالتفريق بين مقام الربوبية ومقام الرسالة وأمر رسوله أن يعلن للناس أنه بشر لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا واستعرض حالة البشر بفطرتهم وكيف تسرب الشرك إلى نفوسهم وفند خطأهم في ذلك وضلال من يدعو غير الله وعلمه سبل نشر الدعوة إليه والوسيلة التي يستطيع بها كل إنسان أن يستفيد من مزايا القرآن ثم أعقب ذلك بهذه السورة التي تشعر الناس بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عند ربه ووجوب طاعته لأنها من طاعة الله تعالى {يسألونك عن الأنفال} والأنفال جمع نفل ونافلة: ما كان زائدًا على الواجب من الأعمال تطوعًا كما قال تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} ويراد بها ما زاد من أموال الغنيمة بعد أن قسمها الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر الكبرى فتنازع الصحابة في أمرها كل يريدها له فأنزل الله هذه الآية لفض النزاع فيما بينهم ولقنه الإجابة عن سؤالهم بقوله {قل الأنفال لله والرسول} أي ما دام كل واحد منكم قد أخذ نصيبه فقد أصبح الحق في هذه الزيادة عائدًا لله والرسول يتصرف فيها كما يلهمه الله {فاتقوا الله} الذي منحكم الغنيمة من أساسها بترك التنازع والاختلاف {وأصلحوا ذات بينكم} أي أزيلوا كل خلاف يكون بينكم بأحكام الصلة التي تربط بعضكم ببعض وهي رابطة الإسلام التي تدعو إلى الاتحاد وعدم القطيعة لتتم بهذه الإخوة الإسلامية على أساس متين {وأطيعوا الله ورسوله} في أمر الأنفال وفي كل ما يأمركم به وينهاكم عنه فطاعة الله واجبة لأنه الخالق لكم وطاعة الرسول واجبة أيضًا لأنه المبلغ لتلك الأوامر ولولاه ما عرفتم أمر ربكم ولا شك أن الله ما اصطفاه لهذه الرسالة إلا وهو يعلم أنه أمين عليها وكفؤ للقيام بما يستلزمه أمر الحكم بين الناس من مميزات ولذلك فإنه تعالى عندما أمر بمشاورة أولي الحل والعقد وذوي الخبرة في كل شيء أرجع أمر البت في النتيجة إليه صلى الله عليه وسلم حيث قال: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} .

{إن كنتم مؤمنين} أي إذا صح أنكم مؤمنون بالله وجب عليكم التزام طاعته وهنا أراد سبحانه وتعالى أن يشعرهم بما يحدثه الإيمان بالله من أثر في قلوب معتنقيه ليتسنى لكل إنسان أن يتبين مبلغ إيمانه بما يحس به في نفسه وما يبدو من أعماله وتصرفاته فقال {إنما المؤمنون} بالله حق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت