لقد افتتح الله هذه السورة «الأنفال» بما يشعر الناس بمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم عنده وأن من حقه التصرف في الأنفال وهي ما زاد من الغنيمة في بدر وأوجب طاعته والرضاء بأحكامه على كل مؤمن وعرّف حقيقة المؤمنين ثم تطرق إلى ذكر غزوة بدر وكيف بدأت وشرح الوسيلة التي أكسب الله المؤمنين النصر بسببها ثم أمر المؤمنين بالتأسي بهم وترسم خطاهم من الجهاد في سبيله والأخذ بأسباب القتال مع اعتقادهم بأن النصر لا ينال إلا من عند الله وضرورة طلبه منه والثقة بعد ذلك بنصره والثبات في قتال أعدائه وعدم الخوف من قوتهم المادية مهما كانت، وأمرهم بطاعة أمر القائد في حالتي الدفاع والهجوم ونهاهم عن إفشاء أسرار الدولة مهما كانت الأسباب والبواعث ثم أطلعهم على سر من أسراره الكونية الخفية التي جعلها سبحانه وتعالى أثرًا من آثار تقواه في الدنيا والآخرة ومن أبرزها تخليصه صلى الله عليه وسلم من مكر قومه وعدم إنزال العذاب بهم من أجله ومن أجل المتقين المستغفرين من قومه برغم استخفافهم بآيات الله وإيثارهم عذاب الله على هداه وصدهم عن المسجد الحرام بالقوة وبما كانوا يبذلونه من أموال طائلة في محاربة الدعوة الإسلامية سينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ويحشرون إلى جهنم، وانتهى من ذلك بأن فتح لهم باب المغفرة وأنذرهم بتطبيق سننه فيهم في حالة الرفض وأمر المؤمنين بقتالهم: {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} وأكد لهم نصره تعالى لهم بقوله: {فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير} ولما كان النصر من شأنه أن يأتي بالغنائم من أموال الكفار والمعتدين المنقولة بعد أن تضع الحرب أوزارها أخذ يبين حكم الله فيها فقال: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} أي أن حق الله فيه الخمس والأربعة الأخماس الباقية توزع على المحاربين وخمس الله إنما يتسلمه رسوله ولذا قال: {وللرسول} يصرفه في المصالح العامة كالدعوة إلى الإسلام وإقامة شعائره وما يحتاج إليه من نفقة عليه وعلى من يعول من نسائه وخدمه وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحتجز من ذلك ما يمونه لمدة عام وينفق الباقي على مستحقيه ممن ذكرهم الله بقوله: {ولذي القربى} الذين حرم عليهم الأخذ من مال الصدقة من أهله وعشيرته الذين والوه ونصروه دون غيرهم ممن يمت إليه بمجرد النسب وكان حربًا عليه ولذلك اختص الرسول صلى الله عليه وسلم منهم بني هاشم وبني أخيه المطلب دون بني أخيه الشقيق بل التوأم عبد شمس وأخيه لأبيه نوفل، وكلهم أولاد عبد مناف حتى لقد روى أبو داود