الصفحة 987 من 1760

آمالهم بالنصر عليهم: {ولو أراكهم} على ما هم عليه بمجموعهم: {كثيرًا} وأخبرت بذلك المؤمنين: {لفشلتم} أي لتسرب الخوف إلى القلوب وقلتم كيف يكتب لنا النصر على تلك الكثرة ونحن قلة: {ولتنازعتم في الأمر} أي ولوقع بينكم نزاع فأنت مع ثقتك بوعد الله لا تستطيع أن تنتزع الخوف من قلوبهم، فيؤدي الأمر إلى تفرق الكلمة وانقسام الرأي الذي هو سبيل الخذلان: {ولكن الله سلم} أي سلمكم من التنازع فجعل من تلك الرؤيا سببًا مباشرًا في تقوية معنوياتكم واتحادكم في الرأي: {إنه عليم بذات الصدور} فهو سبحانه خالقها ويعلم بما يكسبها الجرأة والصبر وما يؤدي بها إلى الجزع والجبن ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {إذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلًا} أي أنه تعالى الذي أرى رسوله تلك الرؤيا التي كانت سببًا في طمأنينة المؤمنين وحائلًا دونهم ودون الفشل لم يشأ أن ينتزع من قلوبهم تلك الطمأنينة في ساعة اللقاء فإنه تحت تأثرهم بقوة الإيمان بوعد الله لنبيه بالنصر واليقين بصدق الرسول من رؤيته جعلهم ينظرون إليهم كأنهم قليل مستضعفون خصوصًا وقد أتوهم فرقًا فرقًا متفككين من جراء تخبطهم في الوحل: {ويقللكم في أعينهم} أي أنهم رأوكم على حقيقتكم من القلة فزاد من غرورهم واحتقارهم لكم حتى قال أبو جهل «إنما أصحاب محمد أكلة جذور» بمعنى أنه يكفي للقضاء عليهم يومًا واحدًا إذ كانوا يأكلون كل يوم جذورًا والمعنى أن الله جل شأنه في هذا الباب أيضًا لم يمدهم بشيء من خوارق العادات بأن يكثر المؤمنين في أعين الكافرين فيقضي عليهم بالرعب وهو قادر على ذلك بل كان كل شيء في بدر أمرًا طبيعيًا موافقًا لسنن الله التي تحصل في كل وقت: {ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا} أي سنة من سننه تعالى الدائمة في الخلق وهي هنا ما يترتب على قوة الإيمان بالله وقدرته من الثبات والنصر وما يؤدي إليه الغرور من هلاك وسيئات فالغرور أول معصية ارتكبها إبليس إذ قال لربه عندما أمره بالسجود لآدم عليه السلام: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} فغضب الله عليه وأهلكه من أجل هذا إذ: {قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين} وقال تعالى في آية أخرى: {قال اخرج منها مذمومًا مدحورًا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين} وكانت نتيجة لكل من قلد إبليس في غروره.

{وإلى الله ترجع الأمور} فلا ينفذ شيء في هذا العالم إلا وفق سنن الله وأحكامه القدرية التي تربط الأسباب بالمسببات فلولا قوة إيمان أصحاب رسول الله في بدر لما ثبتوا للقاء أعدائهم ولولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت