نفوسهم نسأله تعالى أن يثبت الإيمان واليقين في قلوبنا حتى نتكل عليه حق التوكل إنه سميع مجيب.
بعد أن حذر الله المؤمنين من بعض خلال نفسية دفعت المشركين من قريش إلى إتيان بدر بقصد الصد عن سبيل الله وشجعهم على ذلك الشيطان الذي تخلى عنهم في النهاية حيث لاقوا حتفهم ونالت أجسامهم جزاءها عقب على ذلك ببيان ما سينال النفوس أيضًا من الجزاء فوصف ما يصيب المشركين بعد موتهم من عذاب في العالم غير المنظور ليتنبه الناس إلى حقيقة يجب أن يؤمنوا بها وهي التي فصلناها في الصفحة 32 من الجزء الثالث من أن الحياة الدنيا قسمان قسم مادي منظور وقسم غير منظور وأن الناس بالموت سينقلون إلى حياة برزخية أخرى تعذب فيها نفوس الكفار عذابًا غير منظور كما تنعم نفوس الشهداء والصالحين فيها بأنواع من الرزق والسعادة حتى يحين يوم البعث الذي تبدأ به الحياة الأخرى التي تعذب فيها النفوس والأبدان معًا فقال: {ولو ترى} أيها السامع لهذا القرآن العظيم أو التالي له: {إذ يتوفى} وقرئ «تتوفى» أي ساعة انتزاع النفوس من أبدانها التي فقدت الحياة بالموت: {الذين كفروا} بالله ورسوله محمد بن عبد الله لرأيت منظرًا فظيعًا ترتعد له الفرائص وتقشعر منه الأبدان وصفه العليم بقوله: {الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} أي يصفعونهم على وجوههم وأقفيتهم ضربًا تتوجع له نفوسهم ولا يراه من حولهم ولكنه شديد قاس لأنه بأيد نورانية: {وذوقوا عذاب الحريق} حرق الشيء إيقاع حرارة فيه من غير لهب كحرق الثوب بالدق وحرق النبات بحر أو برد أي يقال لهم ذوقوا هذا النوع من العذاب للنفوس يبدأ من آخر عهدكم بحياة الجسم في الدنيا قبل الآخرة: {ذلك} أي ما ذقتم من عذاب الحريق وهو غير العذاب الذي يلاقونه في جهنم من حرق الأجسام بالنار وضربها بمقامع من حديد: {بما قدمت أيديكم} أي بسبب ما ارتكبتموه من كفر وظلم: {وأن الله ليس بظلام للعبيد} الظلام كثير الظلم أي وذلك أيضًا جزاء لكم على ما كنتم تنسبونه إلى الله من الظلم الكثير بزعمكم أن الله هو الذي أمركم بالمعاصي وشاء لكم الكفر والضلال فلا ينبغي أن يعاقبكم على ذلك وقد حكى الله عنهم هذا بقوله: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون} .